الأربعاء, 23 سبتمبر 2026|10 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في يوم رأس السنة الجديدة، أمام حشد من 58 ألف شخص، اشتبك فريق فيسيل كوبي مع فريق كاشيما أنتلرز في مباراة كأس الإمبراطور رقم 99.

كانت مباراة كرة القدم عادية، لكن الإعداد كان مذهلا. كان هذا هو الحدث الأول الذي يقام في الاستاد الوطني الياباني الذي اكتمل إنشاؤه بتكلفة 1.4 مليار دولار، في اختبار للمشهد الذي سيستضيفه قريبا أولمبياد طوكيو 2020 وأولمبياد المعوقين.

كان الاختبار لا تشوبه شائبة، وكان الاستعداد لحفل الافتتاح في 24 تموز (يوليو) المقبل يبدو وكأنه نزهة.

بين المنظمين الأولمبيين، الذين أشرفوا على الاستعدادات التي تزيد قيمتها على 25 مليار دولار، وبين الشركات اليابانية والدولية، التي دفعت أكثر من 3.1 مليار دولار لجعل ألعاب 2020 الحدث الرياضي الأكثر رعاية على الإطلاق، كان هناك تنهد جماعي للدلالة على الارتياح.

بالنسبة إلى حكومة طوكيو الكبرى التي قدرت عند الفوز بالعطاء في عام 2013، أنه حتى بعد مرور عقد على الألعاب في عام 2030، سيستمر الحدث في منح دفعة بقيمة 32 تريليون ين (294 مليار دولار) في الاقتصاد الوطني، وقد بدا كل شيء على المسار الصحيح.

وبالنسبة إلى شينزو آبي، رئيس الوزراء الياباني الأطول خدمة، قدمت الألعاب رمزا قويا للتعافي الوطني من زلزال توهوكو عام 2011 وسياساته "برنامج آبي الاقتصادي" لأجل إنعاش وإصلاح البلاد، بإخراجها من براثن الانكماش طوال عقود. إلا أن فيروس كورونا "فرمل" كل جزء من ذلك بشكل مفاجئ.

بعد أشهر من المشاهدة بلا حول ولا قوة مع تحول المرض من أزمة في مدينة ووهان الصينية إلى جائحة عالمية، قبلت اليابان الأسبوع الماضي ما لا مفر منه، ووافقت مع اللجنة الأولمبية الدولية على أول تأجيل للألعاب الصيفية على الإطلاق - تأخير حتى تموز (يوليو) 2021.

تدور الأسئلة الرئيسة الآن حول مدى الضرر الذي سيلحق بالاقتصاد ومدى الإحباط الناتج عن الارتباك، وما إذا كانت الألعاب ستكون قادرة على المضي قدما في العام المقبل.

كانت صناعة الضيافة اليابانية - التي تعرضت للأذى في الأصل نتيجة إلغاء الحجوزات في شباط (فبراير) الماضي وآذار (مارس) الماضي - تأمل في أن تسمح ألعاب 2020 لهم باستعادة بعض الدخل هذا العام.

قال شيجيمي سوجو، الأمين العام لجمعية الفنادق اليابانية، للصحافيين إن أعضاءه يبلغون منذ الآن عن مخاوف بشأن التدفق النقدي.

على نطاق أوسع، هناك إحساس بأن مشروعا وطنيا كبيرا تعرض للعرقلة.

يقول كين تاباتا الذي التقط صورا للملعب الوطني في اليوم الذي أعلن فيه التأجيل: "جئت إلى هذا المكان بالضبط عندما كنت في الـ14 من عمري لأولمبياد 1964. لم تكن لدي تذاكر في ذلك الوقت، ولكن كانت لدي تذكرتان هذه المرة. لا أريد استعادة مالي. أريد فقط أن أكون على قيد الحياة عندما تحدث".

يقول ماساميشي أداتشي، كبير الاقتصاديين لدى بنك يو بي إس في اليابان، إن مثل هذه التعبيرات عن التشاؤم يجب أن تؤخذ على محمل الجد.

لقد أصبحت الألعاب الأولمبية أكبر فرصة للمضي قدما على الإطلاق، ومقياسا قاتما لمدى سرعة تعافي العالم من الوباء.

يظهر متوسط النمو الاقتصادي الحقيقي في الدول المتقدمة التي استضافت الألعاب الأولمبية منذ عام 1992، أقوى نمو في الأعوام التي تسبق الألعاب حيث يتم إنفاق الأموال على البناء.

السنة الفعلية للألعاب نفسها تقدم دفعة محدودة فقط. بموجب هذا التحليل، من غير المحتمل أن يتسبب تأجيل الألعاب في حدوث ضرر اقتصادي خطير على المدى القصير.

يقول أداتشي: "مصدر القلق هو العواقب طويلة المدى إذا تم إلغاء الألعاب بالكامل في العام المقبل، خاصة أن مثل هذا الوضع يعني أن الوباء ليس تحت السيطرة بعد. وهذا يمكن أن يلقي بثقله على توقعات النمو على المدى الطويل.

في دلالة على الشعور بهذه المخاوف، أخبر آبي الأمة أن الشعلة الأولمبية، التي وصلت إلى اليابان ستظل مضاءة وستبقى في اليابان وكذلك الألعاب.

وقال: "هذه الشعلة هي نور الأمل الذي سيوجه البشرية إلى الخروج من النفق المظلم الطويل الذي نواجهه حاليا"، حيث أعطى مزيدا من التوقعات بشأن الحدث الرياضي الذي يستمر أسبوعين، وأضاف: "هدفي هو جعل الألعاب رمزا لانتصار البشرية".

حتى منح الأولمبياد لطوكيو في عام 2013، استنتج كثير من الناس - في اليابان وخارجها على حد سواء - أن هذه الدولة ذات العدد الكبيرمن السكان، التي عانى اقتصادها ثلاثة "عقود ضائعة"، قد لا تتألق أبدا بشكل مشرق أو عالمي مرة أخرى.

كانت الألعاب، على الرغم من الشكوك حول حرارة طوكيو في الصيف والتجاوزات التي لا يستهان بها في التكاليف، فرصة لإعادة ضبط ذلك. أثبت أولمبياد طوكيو عام 1964 انتعاش اليابان من الحرب. كانت من المفروض أن ألعاب 2020 ستثبت قدرة اليابان على التكيف مع التركيبة السكانية وأهميتها التكنولوجية وثبات شعبها.

يقول الرئيس التنفيذي لإحدى الجهات الراعية "الذهبية" الـ15 للألعاب، إنه إضافة إلى قيمتها المالية المباشرة لليابان، كان أولمبياد طوكيو 2020 "فعلا وطنيا للرسائل الاقتصادية" الذي سيبقي أسواق الأوراق المالية والشركات والإصلاحات في اليابان تحت أضواء الاستثمارات الدولية لمدة سبعة أعوام.

يقول مديرو الصناديق في المحافظ العالمية، إنها لفتت الانتباه إلى قصص النمو المحلي الجيدة في اليابان - مثل السياحة والتعاملات مع الصين - التي كان من الممكن تجاهلها لولا ذلك.

كل هذا تمت تنحيته جانبا، ووضع قيادة آبي - الذي أعلن التزام الحكومة ببرنامج تحفيز "غير مسبوق" للتعامل مع الفيروس - تحت رقابة أكثر شدة.

يقول شيجيرو إيشيبا، وزير الدفاع السابق الذي يتوقع على نطاق واسع أن يكون خليفة آبي: "لا أحد يعرف على وجه اليقين ما إذا كان الوباء سيصبح تحت السيطرة في غضون عام، وأن اليابان ستكون قادرة على تنفيذ الألعاب الأولمبية الصيف المقبل.

إذا تم تأخير الألعاب أكثر من ذلك، فمن غير الواضح ما إذا كان سيكون هناك مزاج عام للسيد آبي للقيام بأعباء ثلاثة أعوام أخرى من رئاسة الوزراء".

من المتوقع أن تقضي اللجنة الأولمبية الدولية والمنظمون اليابانيون - الذين أعلنوا أن الألعاب ستبدأ في 23 تموز (يوليو) 2021 - الأسابيع الأربعة المقبلة في وضع التفاصيل الأساسية للتأجيل.

مصادر الإيرادات الرئيسة للجنة الأولمبية الدولية هي حقوق البث العالمية وصفقات الرعاية. وهذه تتعلق بالألعاب نفسها، لذلك من المتوقع أن يتم تمديد العقود.

كسبت المنظمة 5.7 مليار دولار في "الدورة الأولمبية" التي استمرت أربعة أعوام، التي غطت دورة ألعاب سوتشي الشتوية لعام 2014، وتلك التي عقدت في ريو دي جانيرو بعد ذلك بعامين.

يخاطر الرعاة المحليون بالشعور بالمهانة إذا انسحبوا، خاصة الآن بعد أن وصف آبي ألعاب 2021، بشكل صريح كمنارة أمل لكي يتعافى العالم من فيروس كورونا.

التنفيذيون في شركات الإعلان يقولون، إن الوحدة الوطنية التي بدت أنها تدعم الداعمين التجاريين لطوكيو 2020 تبدو ضعيفة منذ الآن.

يقول كبار التنفيذيين لدى عدد من الجهات الراعية الرئيسة، إنهم لا يستطيعون رؤية أي بند يغطي التأجيل في عقدهم، وبالتالي لا يمكنهم حتى الآن تقييم وضعهم المالي.

قال آخرون، إنهم إذا طلب منهم مزيد من المال لبدء صفقات الرعاية في العام المقبل، فإنهم لا يعرفون ما إذا كانت ميزانيات التسويق التي تعاني الضغط منذ الآن ستتكيف مع الوضع.

يقول تاكاشي أوشيدا، رئيس شركة طوكيو غاز، وهي من الرعاة الرائدين: "نود مواصلة رعايتنا. في هذه اللحظة لا يمكننا أن نقول على وجه التحديد ما إذا كنا سنفعل ذلك أم لا لأننا لا نملك أي معلومات في أيدينا عن حجم العبء المالي الإضافي الذي سيكون علينا".

قبل اتخاذ قرار التأجيل - مع انتشار فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم - سمح معدل الإصابة البطيء نسبيا في اليابان لإدارة آبي بتقديم نهج العمل كالمعتاد للألعاب.

منذ إعلانه ظهرت الدولة وكأنها في وضع مختلف عما سبق. بدأت أعداد المصابين في الارتفاع بشكل أكثر حدة وحذر كبار الخبراء في الدولة من موجة ثانية في الأسابيع المقبلة.

في الوقت الذي تواجه فيه طوكيو أكبر مدينة في العالم إغلاقا، شكلت الحكومة فرقةعمل جديدة للأزمات.

على مدى أسابيع كان كثيرمن الناس يشككون في اليابان، وتأكيدات اللجنة الأولمبية الدولية في مواجهة ارتفاع حصيلة الوفيات على مستوى العالم، والانتقادات المتزايدة من الرياضيين بأن التأجيل أو الإلغاء لم يكن حتى يظهر على جدول الأعمال.

واتهم البعض الحكومة بقمع معدلات الإصابة المعلنة في محاولة لإبقاء الآمال الأولمبية على قيد الحياة، وهو اتهام تم نفيه بشدة.

في الواقع، يقول الأشخاص المعنيون بشكل مباشر من كلا الجانبين، تميزت الأسابيع التي سبقت التأجيل بنوبة يائسة من الاجتماعات الطارئة، والاقتراحات المتضاربة والمفاوضات المسدودة في الوقت الذي كانت تدفع فيه اليابان والحركة الأولمبية إلى منطقة جديدة.

في 16 آذار (مارس) الماضي، عقد توماس باخ رئيس اللجنة الأولمبية الدولية سلسلة ماراثونية من المكالمات الهاتفية مع ما يسمى "الأسرة الأولمبية": رؤساء 33 اتحادا صيفيا للرياضة، وسبع هيئات رياضية شتوية، و206 لجان أولمبية وطنية و220 ممثلا منتخبا للرياضيين.

بدأ التنفيذيون في اللجنة الأولمبية الدولية بدراسة فكرة التأجيل، لكنهم ووجهوا بعد ذلك بالآثار اللوجستية الكابوسية.

على سبيل المثال، تم بيع معظم الشقق في القرية الأولمبية، حيث كان من المقرر أن يقيم الآلاف من الرياضيين، وحيث كان على مالكي الشقق الانتقال إليها بعد انتهاء المباريات. بعض الأماكن الأولمبية لم تكن متاحة في العام المقبل وتم حجز مئات الآلاف من الليالي في الفنادق.

الخطة كانت هي الاستمرار. وقالت اللجنة الأولمبية الدولية: "أمامنا أكثر من أربعة أشهر قبل بدء المباريات، ليست هناك حاجة إلى اتخاذ أي قرارات جذرية في هذه المرحلة".

في غضون سبعة أيام، انهار هذا الموقف. تم تقويضه عندما بدأت الهيئات الرياضية الكبرى الأخرى في اتخاذ إجراءات. في اليوم نفسه الذي قالت فيه اللجنة الأولمبية الدولية إنها ستستمر، قررت الهيئات الحاكمة لكرة القدم تأجيل بطولة أوروبا وأمريكا الجنوبية لمدة عام، وهي البطولات الرئيسة بين المنتخبات الوطنية المقرر لعبها في حزيران (يونيو) المقبل في أوروبا وأمريكا الجنوبية.

كما بدأ الرياضيون الأولمبيون في الإعلان عن مخاوفهم في الوقت الذي كان يتم فيه إلغاء مزيد من الأحداث المؤهلة.

يقول الخبراء القانونيون، إن أي قرار يجب أن يكون متبادلا، لأن اتفاقية المدينة المضيفة للجنة الأولمبية الدولية، تعني أنه إذا أجل أي من الطرفين أو ألغى الألعاب من جانب واحد، فيمكنه توقع دعاوى قضائية بمليارات الدولارات.

مع تزايد الانتقادات، تحول موقف باخ بشكل حاسم لصالح التأجيل. على أن المشكلة كانت في محاولة إقناع حكومة آبي.

يقول شخص مقرب من قيادة اللجنة الأولمبية الدولية: "خشي اليابانيون من التعرض للمهانة والفشل في توصيل الألعاب. عندما أصبح الأمر أقل تركيزا على اليابان، ويتعلق أكثر ببقية العالم من حيث السفر إلى اليابان، وجد آبي مخرجا من المأزق السياسي".

ينصب التركيز الآن على تخفيف آثار الضربة في الاقتصاد الياباني، الذي بدا من المحتمل أن يدخل الركود حتى قبل سحب الألعاب الأولمبية.

لعدة أعوام تعمقت طوكيو في الضجيج الأولمبي وحجوزات الفنادق والتوقعات التجارية لدولة شهدت، منذ فوزها بالحق في استضافة الألعاب ارتفاع السياحة الوافدة من عشرة ملايين زائر سنويا إلى نحو 32 مليون سائح في عام 2019. وكان من المتوقع تعزيز هذه الأرقام في عام 2020 بمليوني سائح آخرين.

وبينما يرى المراقبون بوضوح، أن التأجيل أفضل من الإلغاء، فإن معظمهم يجادلون بأنه من السابق لأوانه توقع أن تؤدي مباريات 2021 المجدولة إلى تقديم أي دعم اقتصادي جديد.

يقدم كيئيشي موراشيما، الاقتصادي المختص في اليابان في "سيتي جروب" تقييما صارما لما قد يحدث بعد ذلك. ويقول في إحدى القراءات، إن اليابان يمكن أن تخسر نحو 275 مليار ين ياباني من إنفاق الزوار الوافدين.

حتى لو لم يكن التأثير الاقتصادي الكلي للتأجيل كبيرا كما يخشى البعض، يقول، إن الأضرار التي ستصيب بعض القطاعات من المرجح أن تكون شديدة.

كتب موراشيما في مذكرة إلى المستثمرين: "ستكون استجابة السياسة ذات أهمية حاسمة، من أجل منع إفلاس الشركات، وخاصة الشركات الصغيرة وما يترتب على ذلك من آثار في تكاليف الائتمان للمؤسسات المالية".

وأضاف، أن إجمالي القروض المقدمة من المصارف المحلية، ومؤسسات الودائع - المصارف الإقليمية - والمؤسسات المالية الأخرى بلغ نحو 3.5 تريليون ين لصناعة الإقامة وأربعة تريليونات ين لخدمات الأغذية والمشروبات في نهاية آذار (مارس) 2019.

إذا كان ينظر إلى اليابان على أنها تعاني إصابة فادحة من فيروس كورونا بسبب استعداداتها للألعاب، فقد يكون ذلك ضارا للجنة الأولمبية الدولية. كانت الألعاب الأولمبية - التي تواجه شكوكا متزايدة بشأن نموذج الأعمال في الألعاب ونقص المزايدين - بحاجة ماسة إلى مضيف متحمس ولديه أموال طائلة مثل طوكيو.

بنت فلايفبيرج، أستاذ إدارة البرامج الرئيسة في جامعة أكسفورد، هو مؤلف تقرير عام 2016 حول المالية الأولمبية، الذي أقنع بعض المدن بسحب عطاءاتها كمضيفين محتملين. تظهر دراسته حول جدوى الألعاب الشتوية والصيفية التي يعود تاريخها إلى عام 1960 - تاريخ استضافة روما للأولمبياد - أنه كان دائما ما يتم تجاوز التكاليف، وأن المضيفين كانوا يبالغون في تقدير الفوائد التي ستتراكم من الألعاب.

يقول البروفيسور فلايفبيرج: "التفاؤل أمر طبيعي. على أن هناك دائما تباين هائل بين الإيرادات المتوقعة وما يتم تحقيقه بالفعل".

بعد تأجيل المباريات، قال ياسوهيرو ياماشيتا، رئيس اللجنة الأولمبية اليابانية، إن الوقت قد حان "لإعادة ضبط عقليتنا".

لقد كانت دعوة عاطفية إزاء ما اضطرت اليابان لفعله مرات كثيرة قبل الزلازل المدمرة والحرب، وحتى وصول الطائرات الحربية الأجنبية إلى سواحلها في القرن الـ19. يشك البعض، ويغلب على ظن آخرين أن اليابان، بتاريخها في التكيف المستمر مع الكوارث، قد تكون في وضع جيد للقيام بذلك بشكل فريد.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية