Author

كيف تحول حل الأمس إلى حديث اليوم؟

|

قد يقدم عديد على اتخاذ كثير من القرارات في أوقات سابقة كانت تنعم بالاستقرار أكثر من غيرها من الأبعاد الأخرى، وصولا إلى هدف بعينه دون الأخذ في الحسبان عوامل أخرى كان واجبا منحها الأهمية اللازمة، التي سرعان ما تبدأ بالصعود إلى السطح في أوقات لاحقة، حال حدوث تغيرات جوهرية في البيئة المحيطة، فيتحول الأمر هنا برمته إلى ما يشبه إدارة للأزمات، لم يكن لها أن توجد لو تم أخذ مصادر نشوء أسبابها في الحسبان في أوقات سابقة، وتم اتخاذ تدابير التحوط والحذر من مخاطرها المحتملة في الوقت المناسب، ويشمل الحديث هنا عن هذا التحدي الجديد الصاعد، الأفراد والمنشآت على حد سواء.
يتسع الحديث هنا والجميع في إطار مواجهة تداعيات انتشار الجائحة العالمية فيروس «كوفيد - 19» على كثيرٍ من الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها في مراحل زمنية سابقة، سواء كانت تلك القرارات من أفراد أو منشآت قطاع خاص أو حتى أجهزة حكومية تنفيذية، وهي ذاتها التي تخضع اليوم لكثير من المراجعة والدراسة وإعادة التقييم مجددا بعد اصطدام العالم المعاصر بهذه الجائحة العالمية، وهو الأمر الذي لا يختص فقط بدولة أو مجتمع بعينه على مستوى العالم؛ بل يشترك فيه الجميع دون استثناء، إنما الاختلاف يكمن في تفاصيل حالة كل مجتمع ودولة، كل حسب أوضاعه ودرجات المخاطرة التي وصل إليها، وهي بكل تأكيد تختلف من دولة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، وهو المجال المتأزم الذي يشغل خلال الفترة الراهنة الحيز الأكبر من اهتمامات الحكومات حول العالم، في إطار جهودها للتصدي للتداعيات العكسية لانتشار الجائحة العالمية فيروس «كوفيد - 19».
سيتركز حديثي هنا على أحد أبرز تلك المخاطر محليا، المتمثلة في ارتفاع حجم القروض المصرفية "استهلاكية، عقارية" على كاهل أفراد المجتمع تحديدا "بلغ إجمالي تلك القروض المصرفية بنهاية 2019 أعلى من 570.5 مليار ريال"، التي شهدت عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي الحديثة، صعودا مرتفعا لمطالبات تأجيل استقطاعاتها الشهرية؛ بل وصل بعضها إلى المطالبة بإسقاطها عن كاهلهم، وكلا الأمرين سيكون له بكل تأكيد آثاره وتكلفته الباهظة الثمن على أطراف أخرى التي سيصب أثرها النهائي على جميع الأطراف المرتبطة.
لا يقوم النقاش هنا حول وجود تلك القروض من عدمه؛ بل ينصب على ارتفاعها عن القدر المطلوب واللازم، خاصة في حالة تلك القروض التي يزيد استقطاعها الشهري على 50 في المائة فأكثر من الدخل الشهري للأفراد، لآجال طويلة تمتد إلى أكثر من 20 عاما إلى 25 عاما، وهي نسب الاستقطاع المرتفعة والآجال الطويلة التي تختص بها القروض العقارية دون غيرها من القروض المصرفية الأخرى، والتأكيد هنا أن الحاجة إلى تلك القنوات التمويلية قائم وله مبرراته التي لا نقاش حولها، إنما ينصب الحديث هنا حول ارتفاعها من حيث الحجم ونسب الاستقطاع عن المستويات المقبولة، وبما لا يؤثر في مستوى معيشة الأفراد المستفيدين وأسرهم في جميع الأوقات.
قامت الدولة - أيدها الله - بفضل من الله، باتخاذ التدابير اللازمة للتصدي لعديد من الآثار والتداعيات الناشئة عن انتشار الجائحة العالمية فيروس «كوفيد - 19»، كان من أهم تلك التدابير تأجيل استقطاع أقساط سداد تلك القروض للعاملين في القطاع الصحي، وتكفلت في تدابير أخرى بدفع 60 في المائة من الأجور الشهرية لأكثر من 1.2 مليون عامل مواطن ومواطنة في القطاع الخاص، وبذل عديد من الجهود السخية جدا لأجل توفير الاستقرارين الاجتماعي والمادي لأغلب الأفراد مواطنين ومواطنات، وهي الجهود الكبيرة التي منحت كثيرا من الاستقرار والتماسك الاقتصادي والمالي والاجتماعي حتى تاريخه.
وبخصوص القروض العقارية على الأفراد التي أصبح واجبا - وفق ما أظهرته التداعيات الراهنة - العمل على إعادة تقييدها وضبطها أكثر مما هو قائم الآن، في وقت يقدر تجاوز أعدادهم حتى نهاية شباط (فبراير) الماضي بنحو 446.0 ألف مقترض على الرغم من ارتفاع أعدادهم، إلا أنه يظل أدنى مما لو كان هذا العدد أعلى من مستوياته الراهنة، كأن يتجاوز مستوى 1.0 مليون إلى 1.5 مليون مواطن، وهي الأعداد التي كنا سنصل إليها في منظور أعوام قليلة جدا مقبلة. كل هذا ووفقا لما شهدناه حتى تاريخه من تطورات بالغة الصعوبة، يقتضي بكل تأكيد أن تبادر الأجهزة الحكومية ذات العلاقة "مؤسسة النقد العربي السعودي، وزارة الإسكان" بالعمل على إعادة تصميم ضوابط الإقراض العقاري، وإخضاعه مجددا تحت ضوابط أكثر تقييدا، حيث لا تتجاوز سواء من حيث الحجم أو مستويات الاستقطاع الشهري، المستويات الممكن تحملها من قبل الأفراد المستفيدين، حيث سيوفر بدوره حماية أكبر لمقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل يمتد إلى مزيد من تفعيل الأدوات المتوافرة بيد وزارة الإسكان "رسوم الأراضي البيضاء"، التي يمكن بتفعيلها بمستويات أعلى مما هو قائم اليوم، أن تؤدي إلى خفض الأسعار المتضخمة جدا للأراضي والعقارات السكنية، والوصول بها إلى مستويات عادلة سعريا، تصل إلى قدرة الأفراد المواطنين الباحثين عن تملك أراضيهم ومساكنهم، وفق الضوابط الجديدة المطلوبة للتمويل العقاري، وهو الطريق الأكثر أمانا للاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، الذي سيكفل من خلاله الوصول إلى أهداف رفع نسب تملك المساكن بين المواطنين، وفي الوقت ذاته تجنيب الاقتصاد الوطني والمجتمع والقطاع التمويلي أي مشاكل.
ختاما؛ على الرغم من كثير من الكتابة والحديث طوال أعوام سابقة حول مخاطر الأوضاع الراهنة لتلك القروض العقارية، وتقديم كثير من المبررات والدلائل إلا أنها لم تجد الاهتمام اللازم، كما أن الأوضاع الراهنة وما أظهرته حتى تاريخه من انعكاسات بالغة التأثير في الأطراف كافة، تبين على أرض الواقع مجددا دلائل واضحة وجلية للجميع الضرورة القصوى لإعادة التقييم من جديد، والأهمية القصوى لبذل جهود أكبر وأوسع تستهدف إعادة تصميم ضوابط تلك القروض العقارية، ووضعها في المسار الذي يخدم ويعزز التنمية المستدامة والاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي، ويوفر أيضا حماية أكبر لمقدرات البلاد والعباد.

إنشرها