العالم بعد كورونا

|

رغم عدم معرفتنا عمق أزمة كورونا ومدى تأثيراتها المستقبلية في الاقتصاد والأعمال، إلا أن من الواضح أنها ستكون كبيرة وتزداد شدة بعمق الأزمة التي بدأ النقاش الآن حولها في كثير من دول العالم سواء بمحاولة بحث سبل عدم تكراراها أو الاستعداد لمثل هذه الأزمات.
هناك نقاط وخواطر عدة من الممكن ذكرها عند الحديث عما هي الأشياء التي ممكن أن تتغير أو تتأثر فيما بعد أو في أثناء هذه الأزمة، ومنها:


1 - البعد والتخفيف من العولمة Globalization في الأعمال: ما قبل كورونا وربما قبل بدء الحرب التجارية من قبل ترمب؛ ضد الصين وانتشار تطبيق إجراءات الحمائية لدى كثير من الدول المتقدمة، كان العالم يعتمد على فتح الأسواق والشركات متعددة الجنسيات وانتشار سلاسل الإمداد حول العالم وزيادة اعتمادية العالم للعولمة بشكل عام، لكن بعد انتشار كورونا وحدوث خلل في سلاسل الإمداد التي بدأت مع قرار الصين "ثاني أكبر اقتصاد بالعالم"، بإغلاق أغلب مصانعها التي تعتمد عليها أغلب شركات العالم في الإمداد حتى إن بلدا يعد صناعيا مثل ألمانيا يعتمد 81 في المائة من شركاته على مصانع صينية في الإمداد "حسب مسح من قبل Kloepfel Consulting" فما بالك بالدول التي لا تملك قاعدة صناعية أو إنتاجية؟ هذا الذي رفع درجة القلق حول الاعتمادية على العولمة والنقاش حول التحول العكسي عبر تقليل الاعتماد على العولمة وزيادة وتدعيم سلاسل الإمداد الوطنية أو الإقليمية، وهذه إن تمت ستكون ضربة قوية للصين بحكم سيطرتها على الإمداد العالمي، لكن هل ستقف الصين دون حراك؟ أو دفاع عن صناعاتها؟ أشك في ذلك، أعتقد أنها ستحاول زيادة الموثوقية في مصانعها والخدمات اللوجستية والاعتماد عليها.


2 - تغير في بيئات الأعمال: بعدما حدث واضطرار الشركات والمصانع إلى إيقاف الحضور الواقعي للموظفين بسبب الحرص على عدم انتشار الفيروس، سيتم إجراء تغيرات مستقبلية في بيئة العمل في الشركات والمصانع لتكون مهيأة لأي ظروف مشابهة وحيث لا تنقطع أعمال الشركات والمصانع وتحقق في الوقت نفسه السلامة الضرورية لعدم انتقال الفيروس كأن تتوافر فيها عزل نسبي أو تباعد بين الموظفين وغيرها.


3 - تزايد الاهتمام والتطوير بتقنيات التعليم والعمل عن بعد: ظهر جليا عدم الاستعداد المناسب لدى كثير من دول العالم لتطبيق التعليم عن بعد وضعف البنية التحتية لها رغم أن مؤشرات أهميتها تزايدت خلال آخر عشرة أعوام وكان من الواضح أنها هي المستقبل إلا أن الاستثمار فيها لدى الدول العربية بالذات كان ضعيفا حيث الاتجاه إلى التعليم التقليدي هو المسيطر وعدم التبني الجيد لتقنيات التعليم عن بعد، أعتقد أنها الآن فرصة لكثير من المستثمرين والمطورين ليعملوا على تطوير برامج متطورة في هذا المجال، فقد أدرك الجميع الحاجة إليها. كذلك في تقنيات العمل عن بعد تحتاج إلى كثير من التطوير رغم أنها أفضل حالا من التعليم عن بعد.


4 - زيادة المدخرات: إن أحد المخرجات لهذه الأزمة إدراك كثير من الأفراد أهمية زيادة مدخراتهم وتقليل ربما الاستهلاك، فعند انقطاع الأعمال وتأثر الإيرادات الأغلب تأثر تاجرا أو موظفا، وبالتالي وجود مدخرات تساعد الشخص في وقت الأزمات أصبحت مهمة جدا، ولهذا سيزيد اهتمام الناس بها ويزيد الطلب عليها، وهي بالتالي فرصة لإحداث منتجات ادخارية للجميع من قبل الجهات المعنية.


5 - توقف أو تقليل الخطط التنموية: كثير من الدول لديها خطط تنموية تعمل عليها، هذه الخطط تتطلب توفير تمويل لها، بعد كورونا لا يتوقع أن تسير هذه الخطط بالمسار نفسه الذي خططت له إما زمنيا أو كتكاليف.


6 - ارتفاع الديون السيادية: بسبب كورونا والإجراءات الصحية والاقتصادية لمساعدة الاقتصاد ستقترض كل دول العالم - دون استثناء - لتغطية هذه المصروفات؛ ما سيؤدي في نهاية الأمر إلى ارتفاع الديون السيادية، ولعل ما حدث في الولايات المتحدة أكبر مثال لذلك. وحسب معهد التمويل الدولي، فإن إجمالي ما أصدر من الديون الحكومية وصل إلى مستوى قياسي عند 2.1 تريليون دولار فقط الشهر الماضي، طبعا لا ننسى أنه ستتزايد حالات التخلف عن السداد لدى عديد من الدول.


7 - ارتفاع البطالة: مع تعثر عديد من الشركات - رغم المساعدات - سترتفع أعداد البطالة التي يجب أن تراقب بشكل حذر وجيد لحساسيتها وعدم بلوغها مستويات؛ قد تؤدي إلى مشكلات أكبر من الفيروس.


8 - التركيز على المرونة أكثر من الكفاءة: في مثل ظروف كورونا أثبتت التجربة أن الشركات التي تملك نموذج عمل يتصف بالمرونة أفضل حالا من الشركات الأخرى، حيث إن الفاعلية لا أهمية لها في مثل هذه الظروف، لهذا التوقع أن يتم البحث عن تعديل نموذج عمل الشركات كي يكون أكثر مرونة للتغيير في مواجهة أي ظروف استثنائية.


9 - زيادة حالات الإفلاس: من المتوقع أن تزيد حالات الإفلاس لدى الشركات، فلا يمكن تجنب كل الشر مهما حاولت الدول لكن تظل هناك أولويات أهم من أخرى، وهنا الصحة، على بعض شركات القطاع الخاص.


10 - تغير القناعات حول القطاعات: كثير كان يعتقد أنه توجد قطاعات لا يمكن أن تتأثر بالأزمات لكن مع هذه الأزمة أثبتت أنه لا يوجد من هو آمن تماما من أي أزمة سواء كورونا أو غيرها، ولعل أبرز هذه القطاعات هو قطاع الحج والعمرة، فمن كان يعتقد أن من الممكن أن يتوقف تماما؟ رغم ذلك توقف؛ لأن صحة الإنسان أهم ويجب العمل والحفاظ عليها، ولهذا كانت الحكمة لدى الدولة في وقف أنشطة العمرة مؤقتاً.


كل هذه النقاط ما هي إلا أمثلة بسيطة لأمور من الممكن أن تحدث، وكما ذكرت، ستزيد احتمالية حدوثها على حسب عمق هذه الأزمة التي لا نعلم حتى الآن أين من الممكن أن تصل، نسأل الله أن يحفظنا جميعا ويخرجنا سالمين منها.

إنشرها