السويديون والوباء المجهول والعالم

|

 الوباء المجهول أجبر العالم الغربي برمته أن يمشي على "نصف رجل" وبعضه بالكاد يزحف على بطنه؛ غير أن السويد لا تزال تمشي على رجليها وواقفة على قدميها ولسان حالها يقول: ماذا دهاكم؟

الخوف والرعب يجتاح أوروبا الغربية ومعها شمال أمريكا ومناطق كثيرة أخرى من العالم. والجيش على الحدود في الشوارع لفرض العزل والغلق ومنع التجوال والمساعدة على دفن الموتى في بعض الدول الغربية. في السويد الوضع هادئ كأن حكام هذا البلد يملكون سحرا غير متاح لغيرهم يمكنهم من مواجهة الجائحة التي حنت ظهر قوى عظمى في العالم.
لقد أدخل فيروس كورونا الرعب حتى في قلب جيران السويد من الشقيقات الإسكندنافيات مثل الدنمارك والنرويج المشهود لهن بالتريث وهدوء الأعصاب. مع كل هذا الخوف والهلع الذي ينتاب الغرب ودوله، الأوضاع في السويد تسير تقريبا بصورة طبيعية وكأن البلد ليس من هذا العالم.
الدوائر الصحية في السويد قد بلغت حتى يوم الثلاثاء الفائت وقت تسليم المقال لهيئة التحرير عن 4435 إصابة و180 وفاة. والأعداد هذه أعلى من الأعداد في كثير من الدول الغربية، إلا أن الحكومة والمسؤولين هنا يؤكدون أنه لم يحن الوقت لاتخاذ إجراءات صارمة مثل الغلق التام ومنع التجوال من الإجراءات القاسية الأخرى السارية لدى جيران السويد وعلى مستوى الدول الغربية الأخرى.
حاولت طوال الأسبوع الفائت التحدث إلى أكبر عدد ممكن من الباحثين والأساتذة وزيارة المدارس "المدارس، نعم المدارس لم تغلقها السويد حتى الآن" وقراءة تصريحات المسؤولين والصحف عسى أن أفلح في تفسير ما يحدث في هذا البلد والجائحة تجتاح العالم.
أبرز ظاهرة لاحظتها وأنا أقرأ الصحف هو غياب السياسيين عن الحدث الذي هو على لسان أقرانهم ليس في الغرب بل أغلب دول العالم عدا خطاب مقتضب لستيفان لوفن رئيس الوزراء الأسبوع الماضي، يعزف المسؤولون عن التحدث عن الجائحة وماذا يجب على الشعب القيام به.
كما هو شأن السويد في أغلب القضايا المصيرية، يتقدم أصحاب الاختصاص وعلى رأسهم حاملو لقب الأستاذية في الجامعات الصفوف، ويجلس السياسيون في المقاعد الخلفية.
 بيد أن أهل الاختصاص منقسمون على أنفسهم. في الأسبوع الفائت ظهرت أصوات قوية تهاجم الحكومة لأنها تسمع لمجموعة محددة من علماء الأوبئة والفيروسات في رأيهم قد تقود البلد إلى كارثة.
ومع المناظر المخيفة التي تنقلها لنا شاشات التلفزة وأجهزتنا الدقيقة من إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا وأمريكا ودول أخرى، هناك في السويد من الأساتذة والعلماء من يرى أن العالم حولهم يبالغ في كثير من الإجراءات القاسية والقسرية التي فرضتها الحكومات المختلفة.
مثلا، الجسر الذي يربط السويد بالدنمارك صار مثارا للمزحة والتندر. الذي يريد أن يذهب من السويد إلى الدنمارك يعبر الحدود السويدية بحرية وما إن يصل إلى الجانب الدنماركي، وإذا به أمام شرطة مدججة بالسلاح لردع أي شخص يحاول العبور.
والحدود مع النرويج وفنلندا صارت مادة للمزحة والتندر أيضا. يستغرب بعض السويديين عند سماعهم أن البلدين قد نشرا عساكر على الحدود لمراقبة الداخلين والخارجين.
السويديون منظمون ونظاميون يطبقون القوانين بحذافيرها. لافتة على الحدود تحذر القادمين من الدخول كافية لتقنعهم بعدم العبور.
الوضع في إسكندنافيا يشبه لوحة سريالية. الحياة تكاد تكون متوقفة في الدول المجاورة والغرب أجمعه تقريبا. في السويد المقاهي والمطاعم ودور السينما والمسارح والمدارس والروضات العمل جار فيها على قدم وساق.
في هولندا التجمع خارج البيت يقتصر على شخصين شريطة أن يبتعدا عن بعضهما مسافة مترين على الأقل. يوم الإثنين الفائت رأيت مجموعة من نحو 50 تلميذا وتلميذة قد شكلوا حلقة متراصة حول معلم الأحياء وهو يشرح لهم عملية التزهير في بستان بالقرب من المدرسة.
وحتى بداية الأسبوع الماضي، كانت التجمعات التي يصل مجموعها إلى 500 شخص مسموحا بها. كان المسرح الوطني الذي يقع بالقرب من سكني يعج بالرواد. "الحكومة لم تقلص عدد التجمعات إلى 50 إلا في بداية الأسبوع الحالي".
الحدائق العامة لا تزل العائلات ترتادها في محاولة للاستفادة القصوى من جو ربيعي مشمس بعد شتاء كان شبه مظلم بسبب غياب الشمس في أغلب أشهره. وسائل النقل العامة من الحافلات والقطارات تكتظ بالركاب.
هناك نصيحة وليست تقييدا للأعمار فوق الـ70 حيث أصدرت الحكومة تعميما يستحسن بقاؤهم في منازلهم.
ورئيس الوزراء لوفن أقصى ما طلبه من مواطنيه في خطاب موجه للأمة الأسبوع الفائت كان حثهم على التصرف كناضجين ليس في إطاعة التعليمات بل عدم الجري وراء الشائعات والخوف.
لكن الخوف هو بالذات الذي بدأ يدب في بعض الأوساط هنا، في الأسبوع الماضي تسلمت الحكومة عريضة وقعها أكثر من ألفي طبيب وعالم وأستاذ جامعي تدعو إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للحد من انتشار الوباء. وكان النداء واضحا إلى درجة اتهام الصف المقابل من العلماء الذين تأخذ الحكومة بنصيحتهم أنهم قد يجرون كارثة على السويد.
إلا أن فريق العلماء الذي يقوده أشهر إخصائيي وأساتذة الأوبئة والفيروسات في السويد لم يتزحزح عن موقفه، وأشار إلى أن الوضع في السويد لا يزال أفضل من دول غربية فرضت إغلاقا كاملا مع تبعاته ولم تحصل حتى الآن على النتائج المرجوة.
السويديون هادئون. هناك بوادر قلق لكنها محدودة جدا.
 في بداية الأزمة عندما هرع المتبضعون إلى تخزين المواد والمستلزمات الأساسية، تلقى الناس على هواتفهم إشعارا من المتاجر الكبيرة أن يبقوا نقودهم في محافظهم بدلا من تكديس البضاعة في بيوتهم لأن المخازن في البلد تطفح بالغلال والبضائع.
لسان حال السويديين يقول: "إما نحن أغبياء أو العالم حولنا غبي، وفي الحالتين نحن الرابحون. إن كنا على خطأ فهذا درس لنا، وإن كنا على حق، فهذا دليل آخر على تفوقنا على العالم".

إنشرها