الأحد, 13 سبتمبر 2026|30 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

مرة أخرى تعد اليابان مثالا جيدا على ذلك، فقد خلصت دراسات الصندوق في هذا المجال إلى أن التغير الديموغرافي في اليابان كان له أثر سلبي كبير في سعر الفائدة الطبيعي في الأعوام الأخيرة. وتشير نتائج هذه الدراسات أيضا إلى أن سعر الفائدة الطبيعي في اليابان انخفض بالفعل ووصل إلى أرقام سالبة؛ ما يبرز الحاجة إلى المضي قدما في الإصلاحات الهيكلية لتعزيز النمو الممكن ورفع سعر الفائدة الطبيعي. وبينما يتوقع زيادة التراجع في نمو السكان في سن العمل بحلول عام 2040 فمن المرجح أن يزيد الأثر الديموغرافي السلبي في سعر الفائدة الطبيعي في اليابان؛ ما قد يحد أكثر دور السياسة النقدية في إنعاش الاقتصاد.

وتبرز هذه النتائج أهمية تعزيز النمو الممكن عن طريق مثلا تعجيل إصلاحات سوق العمل والإصلاحات الهيكلية الأخرى، بما في ذلك سياسات الهجرة الأكثر فعالية لتعويض الأثر الديموغرافي السلبي المتزايد في سعر الفائدة الطبيعي. وترتبط المعضلة التي تشكلها اقتصادات الانكماش في السياسة النقدية ارتباطا وثيقا بأثر شيخوخة السكان وتقلص عددهم في القطاع المالي، وتحديدا كيفية تأثير هذه القوى في دور الوساطة المالية الذي تمارسه المصارف. ونظرا لأن من المرجح أن تؤثر الاتجاهات الديموغرافية في سلوك الادخار والاستثمار، فقد يكون لها انعكاسات كبيرة على العرض والطلب والأموال القابلة للإقراض.

وتشكل الاتجاهات الديموغرافية المعاكسة في اليابان تحديا لجميع المؤسسات المالية اليابانية، ولا سيما الشركات المالية الإقليمية. ونظرا لاعتماد المصارف الإقليمية اليابانية على أنشطة تلقي الودائع والإقراض المحلية فإنها تتسم بالحساسية إزاء التغيرات في البيئة المحلية. وربما يكون تقلص عدد السكان والشيخوخة على مستوى المحافظات أكبر تحديين في هذا الصدد، ولا سيما بالنسبة للمصارف الإقليمية في المحافظات الريفية. حتى المحافظات الحضرية يتوقع أن تشهد تراجعا في عدد السكان وزيادة في الشيخوخة بدرجة كبيرة ومفاجئة. وأهم من ذلك أنه في حين جاءت التحولات في التوزيع العمري والنمو السكاني في السابق لتوازن أثر بعضها بعضا، فمن المرجح أن يتغير هذا الوضع على مدى العقد المقبل، ما قد ينشئ منحدرا ديموغرافيا.

وما لم تجد المصارف الإقليمية في اليابان مصادر واستخدامات بديلة للأموال فإن تقلص عدد السكان سيؤدي بالضرورة إلى تقليص الميزانيات العمومية وانخفاض نسب القروض إلى الودائع. وسيستمر هذا بدوره في وضع ضغوط خافضة على مستويات الربحية المنخفضة بالفعل. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يتسارع اتجاه المصارف الإقليمية في المستقبل القريب نحو التحول إلى نموذج مصرفي أكثر توجها نحو الأوراق المالية وقائم على الرسوم.

مختبر السياسات في العالم:

من شأن الفروق بين الدول من حيث الأوضاع المبدئية وهيكل التحولات الديموغرافية أن تؤثر في حجم وسرعة التكيف الضروريين كي تتمكن الدول من الحفاظ على النتائج الاقتصادية الإيجابية في مواجهة شيخوخة السكان وتقلص عددهم. وفي هذا الشأن، فإن اليابان التي يذهب البعض إلى أنها الأطول باعا بين دول مجموعة العشرين في مواجهتها مظاهر اقتصادات الانكماش هي بالفعل مختبر العالم على صعيد السياسات. وقد تكون الحلول على مستوى السياسات التي تم التوصل إليها هناك قابلة للتطبيق على نطاق أوسع، خاصة أن الدول المتقدمة الأخرى والمؤثرة في النظام المالي تواجه الاتجاهات الديموغرافية نفسها. ورغم أن الدواء الأمثل لا بد أن يكون ملائما تماما للمريض، فإن بعض التوصيات المشتركة على مستوى السياسات ضرورة وضع رؤية طويلة الأجل بشأن الموارد العامة.

مراعاة أثر وتكلفة شيخوخة السكان وتقلص القوة العاملة بصورة تامة. وإجراء التعديلات مبكرا، ولا سيما في المجالات الحساسة مثل معاشات التقاعد العامة والرعاية الصحية والرعاية طويلة الأجل، هو مطلب بالغ الأهمية.

الأثر السلبي المحتمل لاقتصادات الانكماش في الإنتاجية والنمو يبرز الحاجة إلى الإصلاح الهيكلي والابتكار. وتعد مرونة سوق العمل واستراتيجيات ضمان نمو الإنتاجية المرتفع "بما في ذلك استخدام الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي" مطلبا أساسيا إلى جانب وضع رؤية أكثر مرونة فيما يتعلق بالشيخوخة والتقاعد.

قد تتزايد صعوبة الحفاظ على العدالة بين الأجيال في ظل الوضع القائم، وما لذلك من انعكاسات -"المسار المعتاد" اتباع منهج كبير على برامج الضمان الاجتماعي والتحويلات العامة.

قد يلحق الضعف بالسياسة النقدية نتيجة تأثير العوامل الديموغرافية؛ ما يحد من دورها المحتمل في تيسير سلاسة التكيف مع تقلبات الدورة الاقتصادية أو الاستجابة للصدمات، الأمر الذي يلقي جانبا أكبر من العبء على سياسة المالية العامة والإصلاح الهيكلي.

ضرورة دمج احتمالات وجود جيوب من عدم الاستقرار في القطاع المالي ضمن عمليات الإشراف والرقابة؛ نظرا لأن الاتجاهات الديموغرافية تفرض تغيرات كبيرة على بيئة الأعمال فيما يتعلق بالمصارف والمؤسسات المالية الأخرى.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية