تراجعت أسعار النفط مجددا في أول أيام الشهر، الذي يبدأ فيه إطلاق العنان للإمدادات النفطية من مختلف المنتجين بعد انتهاء اتفاق تحالف "أوبك+" على خفض الإنتاج رسميا في 31 مارس وتعثر تجديده.
وسجلت أسعار النفط أكبر خسارة فصلية وشهرية على الإطلاق بنهاية الربع الأول من العام بنسبة تصل إلى 70 في المائة مع تهاوي الطلب وتجدد تخمة المعروض وزيادة التنافس على الحصص السوقية بين كبار المنتجين، إضافة إلى توقعات التسارع الكبير في وتيرة بناء المخزونات النفطية إلى حد الوصول إلى الطاقات الاستيعابية القصوى.
ويقول لـ"الاقتصادية"، محللون نفطيون إن أسعار الخام وصلت بالفعل إلى أدنى مستوياتها منذ 20 عاما تقريبا لافتين إلى أن سرعة انتشار فيروس كورونا وتفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية وزيادة شبح الركود والتباطؤ تقلل من فرص انتعاش الأسعار بشكل جيد في سوق النفط والغاز، وذلك ربما على مدى الربعين المقبلين أو بقية عام 2020.
وأشار المحللون إلى تشبع أسواق العالم بالنفط الرخيص، وزادت التوقعات بشأن انخفاض توقعات الطلب تباعا ربما بمقدار 18.5 مليون برميل يوميا في أبريل الجاري وهو ما يمثل 20 في المائة من إجمالي الطلب العالمي.
وفي هذا الإطار، يعتقد سيفين شيميل مدير شركة "في جي إندستري" الألمانية، أن سوق النفط دخلت بالفعل دوامة هبوطية حادة غير معروف مداها، حيث تتوالى الضغوط التراجعية على الأسعار بسبب حالة القتامة المحيطة بالاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن المنتجين التقليديين منخفضى التكلفة ليس أمامهم إلا العمل المكثف لاستعادة حصتهم في السوق، التي فقدوها بسبب طفرة إنتاج النفط الصخري الزيتي الأمريكي.
ويرى شيميل أن الإنتاج الأمريكي هو المرشح الأول للتباطؤ نتيجة انهيار الأسعار، حيث إنه ما زال مرتفع التكلفة، لافتا إلى وجود مؤشرات قوية تتمثل في تراجع أنشطة الحفر وإغلاق مستمر للآبار وهو من المتوقع أن يترجم في بيانات عن انخفاض إنتاج النفط الصخري الزيتي في الولايات المتحدة بنهاية العام الجاري.
من جانبها، تقول الدكتوره ناجندا كومندانتوفا كبير محللي المعهد الدولي لتطبيقات الطاقة إن احتدام المنافسة على الحصص السوقية سيجعل السوق مضطربة لفترة طويلة قبل أن يتم تجاوز الأزمة، كما يهدد ارتفاع العرض وانخفاض الطلب بإرباك منشآت التخزين المتاحة، لافتة إلى أن عديدا من الدول المنتجة للنفط بدأت بالفعل في تطبيق مجموعة من تدابير التقشف وخفض الإنفاق لزيادة قدراتها على تخطي الأزمة.
وأشارت ناجندا إلى أن الأزمة من أصعب الأزمات التاريخية في الاقتصاد العالمي وبحسب بعض الدراسات الدولية، فإن الدول الأكثر تضررا من انخفاض أسعار النفط في العامين الجاري والمقبل هي تلك الأكثر اعتمادا على الهيدروكربونات في الصادرات وفي الدخل القومي، علاوة على وجود حالة من الضعف لدى بعض المنتجين في القدرات على التكيف مع فترات الأزمات المالية.
وذكرت ناجندا أن السعودية وعددا قليلا من الدول المنتجة الأخرى تتمتع بقدرات خاصة في مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية، حيث تتمتع بوفرة الاحتياطات وبمرونة السياسات الاقتصادية وهو ما يمنحها قدرة فاعلة على التعامل مع انخفاضات متوقعة في الإيرادات المالية والصادرات بنسبة قد تقل عن 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
من ناحيته، يرى روبين نوبل مدير شركة "أوكسيرا" الدولية للاستشارات، أن معنويات السوق بالفعل سلبية للغاية بعدما سجل النفط أسوأ ربع على الإطلاق وبعد أن دمرت أزمة فيروس كورونا الطلب وأثارت مخاوف بشأن تخمة غير مسبوقة في مستوى المخزونات علاوة على اشتعال المنافسة على الحصص السوقية.
وذكر نوبل أن الأسعار أنهت الربع الأول بانخفاض أكثر من 66 في المائة لافتا إلى استمرار تدهور بيانات الطلب، التي تسجل ضعفا متلاحقا في مقابل تباطؤ متعمد من المنتجين في خفض الإنتاج، منوها إلى بيانات تؤكد أن المخزونات الأمريكية قد تضخمت بمقدار 10.5 مليون برميل في الأسبوع الماضي وسط تصاعد تحذيرات بأن مساحة تخزين الفائض الضخم بدأت تنفد بسرعة.
بدورها، ترى ويني أكيللو المحللة الأمريكية في شركة "أفريكا إنجنيرينج" الدولية، أن إعلان الولايات المتحدة أنها ستجتمع مع السعودية وروسيا بهدف وقف الهبوط التاريخي في أسعار النفط أعطى حالة إيجابية في السوق مفادها أن كبار المنتجين سيتحركون معا لاحتواء الأزمة ومنع السوق من تسجيل مزيد من الخسائر الفادحة.
وتوقعت ويني أن تؤدي التفاهمات الجديدة - في حالة نجاحها – في وقف إغراق السوق بملايين براميل النفط الزائدة وتحجيم المنافسة الضارية حول الحصص السوقية، خاصة أن المنتجين تخلوا منذ بداية الشهر الحالي عن أي قيود على الإنتاج بعد تعثر تحالف "أوبك+" في الاستمرار في الخطط السابقة نفسها لتقييد المعروض.
على صعيد التداولات، تراجعت أسعار النفط أكثر أمس في أعقاب أكبر خسائر فصلية وشهرية على الإطلاق للخام، إذ تفاقمت مخاوف تخمة المعروض بفعل ارتفاع فاق التوقعات في المخزونات الأمريكية وتعثر اتفاق المنتجين في تحالف "أوبك+".
وأسعار النفط قرب أقل مستوياتها منذ 2002 وسط أزمة فيروس كورونا العالمية، التي أدت إلى تباطؤ اقتصادي عالمي وخفضت الطلب على الخام، وأنهت التعاملات الآجلة على الخام الربع الأول منخفضة نحو 70 في المائة بعد خسائر قياسية في مارس.
وبحسب "رويترز"، نزل خام القياس العالمي برنت بواقع 1.02 دولار ما يعادل 3.9 في المائة إلى 25.33 دولار للبرميل، وفقد خام غرب تكساس الوسيط 35 سنتا ما يوازي 1.7 في المائة إلى 20.13 دولار للبرميل بعد أن تخلى عن مكاسب سابقة قال محللون إنها ناجمة عن تكوين مراكز في بداية الربع الجديد.
وأظهرت بيانات معهد البترول الأمريكي أن مخزونات الخام الأمريكية زادت 10.5 مليون برميل الأسبوع الماضي متخطية كثيرا التوقعات بارتفاع أربعة ملايين برميل.
وقال خبراء في القطاع في مقابلات نشرها جولدمان ساكس إن أسعار النفط قد تواصل النزول بفعل تراجع الطلب في ظل أزمة فيروس كورونا، التي يفاقمها صراع على الحصص السوقية بين كبار المنتجين، بينما تنفد قدرات التخزين في العالم.
وأفاد البنك في مذكرة بتاريخ 31 مارس بأن التراجع قد يفسح المجال "لصناعة عالمية أكثر متانة"، مع حدوث انتعاش في ظل خفض الإنتاج.
ويعتقد دانيال يرجين الخبير النفطي والكاتب الحائز جائزة بوليتزر، أن الطلب قد يتراجع 20 مليون برميل يوميا في أبريل، أو حتى أكثر من ذلك، مشيرا إلى "أكبر تراجع في الطلب في العصر الحديث".
وذكر جاري روس مؤسس مجموعة بايرا للطاقة أن المدة التي يحتاج إليها التخلص من الفائض الحالي ومدة بقاء الأسعار منخفضة تعتمدان أكثر على تطورات وباء فيروس كورونا.
وأضاف روس "إذا تكللت جهود السيطرة على الوباء بالنجاح خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة، وبدأنا نشهد انتعاشة في الصيف، فإننا قد نرى ارتفاعا كبيرا في نمو الطلب في 2021".
لكن جيف كوري رئيس أبحاث السلع الأولية العالمية لدى جولدمان أعاد ذكر وجهة نظر البنك وهي أن برنت سيبقى على الأرجح قرب 20 دولارا للبرميل، لأنه من السهل على منتجي الخام التخزين في المياه أكثر من منتجي خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي القياسي الذي سيواجه ضغطا شديدا على السعر.

