اقتصاديا .. خيارات كورونية

|

 أزمة كورونا أدت إلى دورة طبية "الإصابات بالجائحة والوقاية منها والعلاج" وأخرى اقتصادية "انخفاض أسعار النفط وإعاقة بعض النشاطات الاقتصادية والحد من إنفاق الأغلبية" وأخرى مالية "انخفاض الدخل النفطي وتزايد العجز وانخفاض أسعار الأسهم والأصول"، بعض تأثيرات هذه الدورات لم يكن بسبب كورونا لكن هناك تطابق بين هذه الدورات بدرجات مختلفة، لذلك مهمة المحلل صعبة في فرز تداعيات متشابكة فضلا عن حلول سهلة. هناك جوانب كثيرة لذلك لا بد من التركيز على أحد الجوانب لعلنا نتلمس بعض التوجهات ونستخلص بعض الدروس ونتحرى بعض الاحتمالات. أحد الجوانب تناقش دائما دعم المواطن مقابل دعم الشركات أسوة بما يحدث في دول كثيرة خاصة المتقدمة على أثر برامج الإنقاذ غير المسبوقة حجما مقارنة بما حدث أثناء الأزمة المالية العالمية. يقال دائما إن التحليل الجيد لا يمكن أن يكون في فراغ لكن من خلال توظيف السياق الصحيح، إذ يقال: إن السياق The context is everything سياق الاقتصاد الوطني مبني على ناحيتين أساسيتين، الأولى: الحالة المالية غالبة على الحالة الاقتصادية على الأقل في المدى المتوسط، والأخرى، الخيارات بين الرفاهية والحذر في المصروفات العامة. القرارات المالية تعبر عن الخيارات الاقتصادية على الأقل في مراحلها الأولى. نشهد تغيرا مهما على أكثر من صعيد اقتصادي ومالي لذلك خياراتنا تحمل نتائج معتبرة للمستقبل.

لدى الحكومة رغبة قوية في استقرار الحياة المعيشية للمواطن والمقيم وكذلك استقرار الحالة الاقتصادية بحمايتها من التداعيات المستجدة، التغير في الحالة المالية يتطلب غالبا المفاضلة بين الخيارات المتاحة في الأحوال العادية، لكن حين تكون الأحوال غير عادية لا بد من التفكير في كليهما في الوقت نفسه. عمليا لا بد من التفكير في الطلب والعرض في الاقتصاد خاصة للسلع والخدمات الضرورية. هناك مستوى من الطلب كانت نقطة البداية فيه قبل الأزمة وكانت في الربع الأخير من 2019، وهناك ربما مستوى جديد من الطلب في الربع الأول من 2020 لكن حتى هذا قد يكون غير عادي بسبب ردة الفعل عند البعض بالشراء، ما يؤثر في الفترة اللاحقة، فربما مستوى الطلب العادي الجديد مع قدوم شهر رمضان حيث عادة يرتفع فيه الطلب على السلع الاستهلاكية خاصة الطعام ليس الأفضل لقياس الطلب، لذلك ربما شهر نيسان (أبريل) أفضل مؤشر على المستوى الجديد مع الحرص في التقدير. يقابل الطلب مستوى دخل في الأغلب مستقرا لأن أغلب المستهلكين رواتبهم ثابتة، فربما يرتفع التوفير في النظام المالي لأن البعض قد يؤجل شراء السلع المعمرة التي أغلبها مستوردة والترفيه والسفر. كذلك من إشارة وزارة المالية في بيانها وحديث وزير المالية فإن هناك توجها لترشيد الإنفاق لكن ليس بمستوى الانخفاض في الدخل لاختلاف الاعتبارات الموضوعية مثل الوقت وطبيعة المشاريع والتكاليف الصحية المستجدة. العرض قد لا يعاني صعوبات في المدى المنظور لأن الدخل مستقر والطلب صار أضعف في ظل السوق المفتوحة وبالتالي جعل المستورد في وضع أقوى نسبيا في حال توافر المال. تعتمد المملكة على مستوى الأسعار العالمي لكثير من البضائع لأنها في الأساس بلد مستورد لكن شبح التضخم يبدو مستبعدا غالبا ما لم يستجد خلل في المنظومة الدولية يعوق الحركة التجارية. حزمة الإنقاذ المالية في الدول المؤثرة اقتصاديا تدل على خوف من الكساد أكثر من التضخم وإن ظهر بعض المؤشرات على التضخم، فمثلا ارتفعت أسعار الغذاء في الصين. التركيز على مستوى الطلب يعيد التفكير في أعداد الوافدين خاصة في ظل تقلص الحراك الاقتصادي.
هذه الصورة للعرض والطلب تقود إلى الأعمال في المملكة. هناك عدة أنواع من الأعمال في المملكة لذلك لا ينبغي الحديث عن التحفيز وعمليات إنقاذ أسوة بما يحدث في العالم المتقدم اقتصاديا دون درجة من التفاصيل كي لا نعطي إشارات خاطئة أو نضيع أموالا دون مردود اقتصادي واعد، حيث السياسة المالية لدينا حجر الزاوية في الاستقرار والإدارة الاقتصادية. أفقيا هناك نشاطات اقتصادية تجارية وخدمية وصناعية، ورأسيا هناك نشاطات ذات سلاسل إمداد مثل الصناعة وهناك نشاطات تجارية ضرورية لكنها لا تضيف كثيرا من ناحية القيمة الاقتصادية، وهناك قطاعات حققت توسعا كبيرا دون عائد مثل العقارات التجارية. لذلك أي توسع مالي لتحفيز الاقتصاد لا بد أن يمر من خلال تلك المعايير والتصفيات. كذلك أثبتت التجربة أن الدعم يكون في أقوى تأثير له حين يصل المدعوم مباشرة وليس من خلال وسيط كتاجر. أخذت وزارة المالية خطوات في الطريق الصحيح نحو الحد من أضرار التغير المالي الكبير، الأمل أن تساعد المعايير الجديدة طريقها نحو سياسة تحجيم الاقتصاد.           

إنشرها