الدروس العميقة لفيروس «كوفيد ـ 19»

|

قال الله في محكم تنزيله، "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"، وقالت العرب، "رب ضارة نافعة"، في المرحلة الراهنة من زمننا المعاصر؛ التي سيطر خلالها شبح انتشار فيروس كورونا "كوفيد - 19" على أغلب مفاصل حياة جميع دول ومجتمعات العالم، محدثا هذا العدو الخفي صدمة مدوية في كل أرجاء المعمورة أينما حل، أو اشتبه في وجوده، ووقف بخطره المهدد لحياة البشرية خلف ما شهده العالم منذ مطلع العام الجاري من تطورات وتقلبات لم يسبق لها مثيل على المستويات كافة، تجاوزت خسائره البشرية حتى ساعة كتابة هذا المقال 31 ألف وفاة، وإصابة أكثر من 665 ألف مصاب، وفاقت خسائره المادية على حساب الاقتصادات والأسواق المالية سقف 20 تريليون دولار، كما وقف أيضا خلف مبادرات وتدابير وإجراءات دولية وحكومية وأهلية حثيثة قدر إجمالي فواتيرها عالميا بأعلى من 5.0 تريليون دولار، وقد ترتفع مستقبلا إذا تعاظمت مخاطر انتشار هذا الفيروس المستجد. في الوقت الذي بدأ كثير من المتحدثين من كل دول العالم، الحديث عن التغييرات العميقة والواسعة، التي أحدثها انتشار الفيروس، على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وعديد من المجالات الرئيسة الأخرى، وذهب متحدثون آخرون كثر، إلى وضع التصورات والأنماط الجديدة، التي ستصبح عليها الحياة البشرية فيما بعد انحسار الفيروس والخلاص منه، وبما أن الفيروس ما زال متمتعا بقوته وتأثيره ووتيرة انتشاره كما يشهده العالم حتى تاريخه، فالحديث في الشأنين أعلاه سيستمران أيضا في تدوين التحليلات والتصورات والرؤى كل حسب تجربته القاسية، ووفقا لما لمسه وتأثر به، بل يمكن القول إن تأثير صدمة هذا الفيروس سيمتد عدة أعوام مقبلة حتى بعد الخلاص منه، وسيكون أحد أهم الحيثيات، التي سيتم الاستناد إليها في إطار إقرار أو تأسيس أو تصميم أي أنظمة أو سياسات أو برامج دولية أو محلية. وعلى أن من المبكر جدا؛ بلورة أي أفكار أو تصورات محددة لما تقدم ذكره أعلاه، إلا أن المتفق عليه من قبل الأغلبية هو، أن حياة البشر بعد التجربة القاسية مع هذا الفيروس القاتل، ستكون مختلفة بصورة كبيرة وجذرية، ولن تشبه حياتهم قبله، وستتفاوت درجات الاختلاف في هذا الشأن من بلد إلى آخر، إنما ستصب خلاصتها النهائية في إعادة رسم وتشكيل المجتمع الدولي بكل تأكيد. في شأننا المحلي؛ أظهرت المملكة في مواجهة هذا الفيروس -بحمد الله وتوفيقه-، ثم بدعم لا محدود من لدن خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، وبتضافر جهود هائلة بذلتها جميع الأجهزة الحكومية وكبار كيانات القطاع الخاص، معدلات أداء ناجحة وقياسية، وضعتها في مراتب متقدمة جدا دوليا وإقليميا، مكّنتها -بفضل من الله- من محاصرته والسيطرة عليه، والحد كثيرا من انتشاره، وهو الأمر الواضح للعيان محليا وخارجيا، ويؤمل بتوفيق من الله استمرار نجاح وتفوق تلك المبادرات والجهود الكبيرة حتى يقضى نهائيا على وجوده. إن من أهم الدروس التي قدمها لنا فيروس كورونا: الأهمية القصوى للاعتماد بصورة أكبر على المواطن في جميع المجالات، في مقدمتها القضية التنموية الأولى المتمثلة في توطين الوظائف، تحديدا وظائف القطاع الخاص، وبصورة أعلى تركيز تلك الوظائف عالية الحساسية في قطاعات الصحة والبيئة والاتصالات وأنظمة الحاسب والمالية والاجتماعية وغيرها من القطاعات الحيوية، التي برزت أهميتها القصوى للجميع أثناء المرحلة الراهنة، وتأكدت لنا جميعا المخاطر العالية جدا لارتفاع معدلات انكشافها على العمالة الوافدة. إنه الدرس الثمين، الذي يقتضي أن نشهد على أثره تغييرا جذريا في جميع سياسات وبرامج التوطين، وتزامنه أيضا مع تغييرات جذرية على مستوى مجالات التعليم والتدريب والتأهيل، والإسراع بكلا الأمرين لإعادة تأسيسهما في منظومة متكاملة يعزز بعضها بعضا، وأن تخلو من أي فجوات أو أي شكل من أشكال التعارض، وكل ذلك يقتضي بذل جهود واسعة وكبيرة وعاجلة لا تتجاوز زمنيا عاما واحدا على أبعد تقدير، تستهدف أولا، النهوض بقدرات ومؤهلات الموارد البشرية الوطنية، وثانيا، فتح أوسع وأفضل فرص العمل المتوافرة في القطاع الخاص. ومن الدروس المهمة في هذا الشأن؛ الأهمية القصوى للإسراع بتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وتركيز اتجاه الاستثمارات نحو المجالات الحيوية والتنموية ذات الأولوية من حيث الاكتفاء الذاتي، تحديدا تلك التي تتعلق بقطاعات الصحة والغذاء والدواء والبيئة، إضافة إلى المجالات المتقدمة صناعيا وخدماتيا، التي يمكن الاعتماد التام على قدراتها وإمكاناتها في مثل الأحوال السائدة التي شهدناها وشهدها العالم اليوم، أو حتى في حال كانت أسوأ مما شهده العالم المعاصر خلال هذه المرحلة الصعبة، وقد رأينا جميعا الثمن الباهظ، الذي دفعته دول متقدمة لقاء قصور قدراتها في تلك المجالات، وما تجربة عديد من دول اليورو والولايات المتحدة عنا ببعيد، فما بال إن كانت دولا أدنى تقدما بحال تكررت مستقبلا مثل هذه الأزمة الراهنة؟! إنها دروس وعبر لا تعد ولا تحصى، يمكن استخلاصها من آثار انتشار هذا الفيروس، تتطلب تسخير كثير من الوقت والجهد الحكومي والمجتمعي، والخروج بها إلى ضوء حياتنا الراهنة والمستقبلية، مستفيدين -قدر الإمكان- من تجربتنا المحلية، وأيضا من تجارب بقية دول ومجتمعات العالم، والعمل منذ الساعة على اتخاذ الإجراءات والتدابير والمبادرات الكفيلة بمنع تكرارها لدينا؛ إن لم توجد، ومنع استمرار أسبابها وتوسعها؛ إن وجدت لدينا، ومن تلك المخاطر، التي أثبت انتشار الفيروس علو خطرها؛ الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية في المجالات الأكثر حساسية؛ كالدواء والغذاء، الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة في الوظائف الأعلى حساسية وأهمية في سوقنا المحلية، الديون المصرفية المرتفعة على كاهل الأفراد، وما يمثله ارتفاع حجمها أو نسب استقطاع سدادها شهريا، وكل هذا وغيره من الجوانب المهمة جدا ذات العلاقة، هو ما سيمتد الحديث عنه في المقال المقبل، بمشيئة الله تعالى.

إنشرها