الطاقة- النفط

ارتفاع المخزونات النفطية أكثر من القدرات الاستيعابية خلال أسابيع .. يهدد بإغلاق آبار

الوفرة غير المسبوقة في الأسواق النفطية مقابل ضعف الطلب تنبىء باستمرار تراجع الأسعار.

توقع لـ"الاقتصادية"، محللون نفطيون استمرار تراجع أسعار النفط خلال الأسبوع الجاري، بعدما تهاوت بنحو 5 في المائة في ختام الأسبوع الماضي، جراء الانتشار السريع لفيروس "كورونا" وتأثيراته المدمرة في الاقتصاد العالمي وتحديدا الطلب العالمي على النفط.
وذكروا، أن الإجراءات التحفيزية التي قامت بها الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات العالمية، لم تتمكن من دفع الأسعار نحو التماسك وتقليل الخسائر، وعززت الموجات الهبوطية عودة المنتجين للإنتاج بأقصى قدرات ممكنة واشتعال المنافسة الحادة على الحصص السوقية المحدودة.
وأوضحوا، أن نزيف الأسعار المستمر غير معروف مداه، في ظل عدم وجود مؤشرات على اتفاق جديد لخفض الإنتاج بين كبار المنتجينن وبعدما دمرت أزمة "كورونا" اقتصادات العالم، في الوقت الذي تعثرت فيه تدابير الاحتواء والتحفيز في وقف تراجع الطلب.
وأشار المحللون إلى أن اشتعال المنافسة على الحصص السوقية، أدى إلى تسجيل الأسعار أدنى مستوى منذ 17 عاما، بعدما كان سعر خام برنت يباع بنحو 65 دولارا للبرميل بداية يناير الماضي، لافتين إلى أن تخمة المعروض/ صارت التحدي الأكبر للسوق في المرحلة الراهنة، ومنوهين إلى أن بيانات بنك "جولدمان ساكس" تشير إلى أن زيادة المخزونات في الأسابيع المقبلة ستفوق القدرات الاستيعابية للبنية التحتية المحلية، ما سيجبر عديدا من المنتجين على وقف وإغلاق الآبار.
وفي هذا الإطار، يقول روس كيندي العضو المنتدب لشركة "كيو. إتش. أي" الدولية لخدمات الطاقة، إن وفرة المعروض مقابل ضعف الطلب لا تبشر بتعافي قريب للأسعار، وستؤدي إلى تفاقم مستوى تراكم المخزونات النفطية لافتا إلى، أن التقارير الدولية تؤكد أن نحو ثلاثة أرباع مرافق التخزين العالمية ممتلئة بالفعل.
وأضاف كيندي، أن التجار بدأوا في التخلص من الطاقة، بسبب المخاوف المتسعة من تصاعد المنافسة على الحصص السوقية بين كبار المنتجين، لافتا إلى أنه مع بداية الشهر المقبل سنشهد إمدادات قياسية للنفط بعد رفع القيود السابقة كافة عن الإنتاج، ما جعل وكالة الطاقة الدولية تتوقع انخفاض الأسعار بـ 20 في المائة، خاصة مع استمرار عزل أكثر من مليار شخص حول العالم، بسبب فيروس "كورونا".
من جانبه، يقول دامير تسبرات مدير تنمية الأعمال في شركة "تكنيك جروب" الدولية، إن الوفرة غير المسبوقة في الأسواق مقابل ضعف الطلب تنبئ باستمرار تراجع الأسعار، خاصة مع بداية الشهر الجديد ورفع القيود كافة على الإنتاج، لافتا إلى ضرورة استمرار المشاورات بين كبار المنتجين ومتابعة تطورات السوق، حتى يمكن التوصل إلى تفاهمات تساعد على مواجهة الأزمة الراهنة والحد من المخاطر الحالية المتفاقمة.
ويعتقد تسبرات، أن الأزمة الراهنة أدت إلى قيام المنتجين بإعادة حساباتهم وبحث آليات ضغط تكلفة الإنتاج، ورفع مستوى الكفاءة الإنتاجية خاصة مع اتجاه بعض المنتجين إلى إغلاق آبارهم، لأن ضخ النفط ليس له أي معنى اقتصادي في ظل البيئة السعرية الراهنة، وفي ضوء التخمة الواسعة في مستوى الإمدادات النفطية.
من ناحيته، يرى بيتر باخر المحلل الاقتصادي والمختص في الشؤون القانونية للطاقة، أن تدهور الأسعار سيظل مهيمنا على الأسواق خلال الفترة المقبلة في ظل تصاعد تداعيات أزمة "كورونا" في كل دول العالم، حيث من المتوقع أن يصل الفائض في المعروض إلى 20 في المائة من الاستهلاك العالمي.
وأوضح باخر، أن بعض المنتجين يعتقدون، أن المنافسة على الحصص السوقية قد تكون مفيدة بشكل تدريجي للسوق وعلى مدى طويل من خلال إخراج أصحاب التكلفة الأعلى من المنافسة ومع تسارع إغلاق عديد من مناطق الإنتاج في الولايات المتحدة وبحر الشمال وكندا، بسبب صعوبة القدرة على الاستمرار في المنافسة في ظل هذا المستوى المتدني من الأسعار، الذي لا يلائم إلا الدول ذات التكلفة الأقل في الإنتاج وعلى رأسها منتجو منظمة أوبك.
بدورها، تقول أرفي ناهار المختصة في شؤون النفط والغاز في شركة "أفريكان ليدرشيب" الدولية، إنه مع انتشار أزمة "كورونا" وتوقع استغراقها كثيرا من الوقت، بسبب تسارع الإصابات والوفيات، يعتقد المسؤولون التنفيذيون في صناعة النفط، أن عديدا من الشركات ستوقف الإنتاج خلال الأيام القليلة المقبلة، حيث أصبح السوق مشبعا ولا يحتمل مزيدا من الإمدادات لافتة إلى أن بعض التقديرات تشير إلى الحاجة إلى خفض الإمدادات بمقدار عشرة ملايين برميل يوميا وبسرعة كبيرة.
وأضافت أرفي، أنه لا يمكن للعالم عمليا أن يواصل ضخه عند المستوى الحالي البالغ نحو 100 مليون برميل يوميا، بينما الطلب أقل بنسبة 20 في المائة مرجحة أن يطغى الفائض على سعة التخزين في غضون أسابيع قليلة، خاصة في الأسواق الناشئة التي تعاني ضعفا ومحدودية البنية التحتية.
وتراجعت أسعار النفط 5 في المائة في ختام الأسبوع الماضي، مواصلة خسائرها للأسبوع الخامس على التوالي، مع طغيان تحطم الطلب الناتج عن فيروس "كورونا" على جهود التحفيز من صناع السياسات في أنحاء العالم.
وكلا عقدي الخام منخفض نحو الثلثين هذا العام، في حين يجبر تهاوي النشاط الاقتصادي والطلب على الوقود جراء فيروس "كورونا" شركات النفط والطاقة على تقليص استثماراتها.
وبحسب "رويترز"، انخفض خام برنت 1.41 دولار بما يعادل 5.35 في المائة ليتحدد سعر التسوية عند 24.93 دولار للبرميل، والعقد منخفض نحو 8 في المائة في الأسبوع المنصرم، بينما أغلق الخام الأمريكي منخفضا 1.09 دولار أو 4.82 في المائة على 21.51 دولار، ونزل الخام الأمريكي أكثر من 3 في المائة على مدار الأسبوع.
ويعتقد بوب ياوجر، مدير العقود الآجلة للطاقة لدى «ميزوهو» في نيويورك، أنه "نفد ما لدينا من ذخيرة لدعم السوق.. الحكومة استنفدت ذخيرتها هذا الأسبوع الماضي، وفي الأسبوع الجاري ستكون السوق بمفردها".
وقال فاتح بيرول مدير وكالة الطاقة الدولية، إنه في ظل لزوم ثلاثة مليارات شخص منازلهم، فإن الطلب العالمي على النفط قد يهبط 20 في المائة، داعيا كبار المنتجين إلى تقديم يد العون، لجلب الاستقرار إلى أسواق الخام، لكن هذه الدعوات قد لا تكفي لإعادة ضبط السوق.
وبلغ الطلب العالمي على النفط 100 مليون برميل يوميا في 2019، وذكر بيرول أنه رغم تدمير ضخم للطلب، فإن المعروض من النفط من المنتظر أن يزيد بمقدار ثلاثة ملايين برميل يوميا أخرى.
وتابع بيرول، أن وكالة الطاقة الدولية، التي تنسق سياسات الطاقة للدول الصناعية، ستقدم توقعات وإطارا زمنيا أكثر وضوحا بشأن الطلب العالمي على النفط في غضون أسبوعين عندما تنشر تقريرها الشهري المقبل.
وأضاف، أن تعافي الطلب لن يكون سهلا أو سريعا، متوقعا أن ينخفض إنتاج النفط في الولايات المتحدة بشكل كبير، لكنه سيفاجئ السوق بعد ذلك بالتحول إلى الارتفاع عندما يتعافى مع صعود أسعار النفط.
ورغم تفشي فيروس "كورونا" المستجد، الذي يشل الاقتصاد العالمي، ويضعف الطلب على النفط، تستمر وفرة الإنتاج والمعروض، ما يضغط على قدرات التخزين، التي تكاد أن تصل إلى أقصى سعة لها.
وقال أوليفييه جاكوب من شركة "بتروماتريكس": "كنا نعلم أن زيادة الإنتاج ستضغط على مخزونات النفط.. لكن هذه الظاهرة تسارعت بصورة واضحة الأسبوع الماضي مع انهيار الطلب".
ونتيجة لذلك، يرى محللو "كبلر" في مذكرة، أن المخزونات الحالية من النفط الخام على الأرض وفي السفن "تجاوزت الذروة السابقة، التي وصلت إليها في أوائل 2017، وهذه المخزونات تواصل الارتفاع".
وبين العرض الوفير وركود الطلب، يمكن أن يصل فائض النفط العالمي "إلى 10.6 مليون برميل يوميا في الربع الثاني من العام"، وفقا لحسابات مايكل تران، المحلل لدى "آر. بي. سي. بنك"، وهذا يعني أنه سيصل على مدار الفترة المذكورة إلى مليار برميل جديد تحتاج إلى تخزينها، وهي كمية تكفي "للاقتراب من حدود التخزين في نهاية العام أو أوائل 2021".
ويضيف جاكوب: "تزداد الاحتياطيات في البدء في البلدان المستهلكة، حيث توجد مصاف للنفط"، ثم على السفن، قبل أن ينتقل الضغط إلى المنتجين، الذين سيتعين عليهم إبطاء إنتاجهم وترك النفط في الحقول.
وأشار جاكوب إلى أن الكيروسين المستخدم كوقود للطائرات هو "أول منتج بترولي سيعاني"، بسبب توقف قطاع الطيران تقريبا.
وأكد اتحاد النقل الجوي الدولي "إياتا" أن النقل الجوي يشهد حاليا "أعمق أزمة على الإطلاق"، وباتت هذه الأزمة تؤثر في 98 في المائة من حركة الركاب حول العالم، وفقا للاتحاد.
وقدرت شركة "ريستاد إنرجي" انخفاض الطلب في هذا القطاع 20 في المائة، أو 1.4 مليون برميل في اليوم، وهو ما يكفي لملء خزانات الكيروسين "إلى أقصى حد لها في أبريل"، وفق المحلل لدى الشركة بيورنار تونهاوجن.
إضافة إلى المنشآت البرية، تعبأ أيضا ناقلات ذات خزانات كبيرة للحفاظ على الخام الزائد، ويؤكد ستيفان برينوك من شركة "بي. في. إم" أن عمالقة النفط "يهرعون لتأمين الناقلات لأغراض التخزين، خوفا من امتلاء خزانات المنشآت الساحلية إلى أقصى حد لها في غضون بضعة أشهر".
وتشجع على هذا الإقبال حالة "التأجيل" وهي ظاهرة نادرة في سوق البيع الآجلة بالاستفادة من اختلاف السعر بين العقود القريبة والبعيدة للمنتج نفسه.
ويفتح ذلك المجال أمام مشغلي السوق لشراء براميل النفط وتخزينها في أقرب وقت ممكن وضمان تغطية أنفسهم في سوق العقود الآجلة لبيعها لاحقا بسعر أفضل، وقال جاكوب، إن "معظم المصافي أعلنت أنها تبطئ معدل الاستخدام"، للتكيف مع تراجع الطلب.
إضافة إلى ذلك، يؤكد تونهاوجن أنهم "يرون أن هوامشهم تتضاءل" بسبب انخفاض الأسعار، ويعملون وفق خطط توفير ضخمة.
وهذه هي على سبيل المثال حالة مجموعة "توتال الفرنسية"، التي أعلنت الإثنين الماضي تخفيض استثماراتها بأكثر من ثلاثة مليارات دولار.
لكن الوضع يختلف من بلد إلى آخر، إذ أفاد أحدث تقرير وكالة معلومات الطاقة الأمريكية بأن المصافي الأمريكية تعمل بنسبة 87.3 في المائة من طاقتها، بارتفاع، مقارنة بالأسبوع السابق، ولكن يبدو أن شركة النفط الأمريكية "فيليبس 66" تجاري ما تفعله "توتال"، بقولها إنها اضطرت إلى تأجيل وإلغاء عديد من مشاريعها.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الطاقة- النفط