الطاقة- النفط

رأس مال شركات النفط الصخري ينخفض إلى 64 مليار دولار .. ومنتجو بحر الشمال على وشك الإفلاس

تراجعت أسعار النفط، أمس، بسبب الانتشار السريع لفيروس كورونا وتداعياته الواسعة على الطلب العالمي على النفط نتيجة عزل المدن ووقف حركة الطيران، بينما تلقت الأسعار دعما محدودا من التحفيز الأمريكي للاقتصاد من خلال ضخ تريليوني دولار لدعم الأنشطة الاقتصادية، في الوقت الذي سينخفض فيه رأس مال شركات النفط الصخري الأمريكية بمقدار الثلث إلى 64 مليار دولار في العام الجاري، وستقلص الإنفاق أكثر إذا استمرت أسعار النفط في التراجع.
ويعمق الضغوط على الأسعار عودة المنتجين للإنتاج بأقصى طاقاتهم اعتبارا من بداية الشهر المقبل مع رفع جميع القيود على الإنتاج بعد انهيار اتفاق خفض الإنتاج الذي كانت تنفذه دول تحالف "أوبك +"، وهو ما أعلن موجة جديدة من اشتداد المنافسة على الحصص السوقية بين كل المنتجين.
ويقول لـ«الاقتصادية»، مختصون ومحللون نفطيون إن كبار المنتجين سيعادون بعد أيام قلائل ضخ إمدادات نفطية وفيرة دون أي قيود على الإنتاج بعد أربعة أعوام من اتفاقات تقليص المعروض المتوالية، لافتين إلى أن أغلب التوقعات الدولية ترجح أن يصل الفائض العالمي من النفط إلى 20 مليون برميل يوميا خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
وفي هذا الإطار، أوضح مفيد ماندرا نائب رئيس شركة "إل إم إف" النمساوية للطاقة، أن وضع السوق شديد الارتباك وشبح الركود يخيم بشدة على الاقتصاد العالمي على الرغم من ضخ الولايات المتحدة تريليوني دولار لدعم الأنشطة الاقتصادية من التداعيات الكارثية لأزمة وباء كورونا التي سجلت وتيرة غير مسبوقة في النمو السريع وأدت إلى حالة شلل تام في اقتصاديات أغلب دول العالم بعد التوسع المتلاحق في عزل المدن وإيقاف رحلات الطيران.
وأشار ماندرا إلى أن الوفرة الحادة المتوقعة في إنتاج النفط رغم الضعف الواسع للطلب ستؤدى دون شك إلى نتيجتين سلبيتين على نحو متأزم وهما وصول مستوى المخزونات إلى معدلات قياسية في الارتفاع وأزمة في تدابير قدرات تخزينية إضافية ما سيجعل هناك تهاوٍ مستمر في مستوى الأسعار وسيؤدى إلى تزايد حالات الإفلاس وإغلاق المشاريع خاصة في الولايات المتحدة.
من جانبه، يعتقد جون هال مدير شركة "ألفا إنرجي" الدولية للطاقة، أن كثيرا من اقتصاديات دول العالم الكبرى وقفت عاجزة أمام مفاجأة الانتشار السريع الوبائي لفيروس كورونا ومنها الولايات المتحدة التى تشهد تضاعف حالات الإصابة كل بضعة أيام ما جعل العزلة المنزلية واسعة النطاق هي الآن الخيار الوحيد للتخفيف من الأضرار رغم كلفتها الاقتصادية الباهظة.
وأضاف هال أن فاتورة تهاوي الطلب الأمريكي على النفط فادحة للغاية، وبحسب أحدث التقديرات فإن انخفاض الطلب الأمريكي قد يصل إلى سبعة ملايين برميل يوميا هذا الشهر الذي يعد أسوأ شهر في تاريخ الاقتصاد العالمي الحديث، منوها إلى توقعات لمؤسسة "ستاندرد تشارترد" بأن التخزين العالمي قد يصل إلى سعته القصوي بمجرد نهاية الربع الثاني بدلا من نهاية العام بحسب تقديرات سابقة.
من ناحيته، يرى ردولف هوبر الباحث في شؤون الطاقة ومدير أحد المواقع المتخصصة، أن انهيار الأسعار بات عبئا ثقيلا على كل المنتجين، لافتا إلى أن التقارير الدولية ترجح أن تنخفض الأسعار أكثر من المتوقع ما سيفرض تباعا إغلاق بعض الإمدادات النفطية خاصة من المشاريع ذات التكلفة الإنتاجية الأعلى.
وأضاف هوبر أن مشاريع النفط الصخري الأمريكي هي الأقل قدرة على المواءمة والاستمرارية في ظل بيئة سعرية ضعيفة حيث كانت تلك المشاريع أكثر الرابحين من تخفيضات الإنتاج التي كان المنتجون التقليديون يطبقونها من خلال تحالف "أوبك +" على مدار الأعوام الماضية، مشيرا إلى أن المعاناة تمتد إلى منتجي بحر الشمال ومشاريع النفط الرملي الثقيل في كندا، حيث بات كثيرون من المنتجين على شفا إعلان الإفلاس.
بدورها، تقول مواهي كواسي العضو المنتدب لشركة "أجركرافت" الدولية، إن فكرة خفض الإنتاج في هذه المرحلة ليست بعيدة عن أذهان المنتجين خاصة مع انهيار الأسعار إلى مستوى العشرينيات من الدولارات منوهة إلى وجود اتصالات تجمع دول "أوبك" وبعض المنتجين الأمريكيين، وقد تشهد الفترة المقبلة تفاهمات جديدة ويجب الإسراع في هذا التوجه قبل أن تصل الوفرة في الأسواق إلى نحو 20 مليون برميل يوميا وهو ما قد يجعل التخفيضات المحدودة غير مؤثرة.
وذكرت مواهي أن المنتجين في هذه المرحلة لا يجدون مفرا من تكثيف جهود تقليص النفقات الإنتاجية وزيادة كفاءة رأس المال لتوفير قدرات أكبر لمواجهة تداعيات الأزمة الراهنة مشيرة إلى أن بيان لشركة "ريستاد إنرجي" يظهر أن رأس المال الصخري الأمريكي سينخفض بمقدار الثلث إلى 64 مليار دولار في العام الجاري وأن الإنفاق سيتقلص أكثر إذا استمرت أسعار النفط في التراجع.
من ناحية أخرى وعلى صعيد التداولات، انخفضت أسعار النفط أمس عقب مكاسب حققتها على مدى ثلاثة أيام، إذ فاقت احتمالات تضاؤل سريع للطلب بسبب قيود السفر وعمليات العزل المفروضة لمواجهة فيروس كورونا أثر الآمال المعلقة على تحفيز أمريكي طارئ بقيمة تريليوني دولار سيدعم الأنشطة الاقتصادية.
وبحسب "رويترز"، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت 64 سنتا أو ما يعادل 2.3 في المائة إلى 26.75 دولار للبرميل، وهبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 78 سنتا أو ما يعادل 3.2 في المائة إلى 23.71 دولار للبرميل، والخامان القياسيان منخفضان بنحو 60 في المائة منذ بداية العام الجاري.
ودعم مجلس الشيوخ الأمريكي بالإجماع مشروع قانون بقيمة تريليوني دولار يهدف لمساعدة العاملين العاطلين والصناعات المتضررة من وباء فيروس كورونا، لكن في ظل انكماش سريع للطلب وارتفاع الإنتاج، فإن آفاق النفط تظل قاتمة.
وذكرت "آي.إتش.إس ماركت" أن الطلب العالمي على النفط سينكمش بأكثر من 14 مليون برميل يوميا في الربع الثاني وفقا لتقديراتها ما سيؤدي إلى ارتفاع غير مسبوق في المخزونات.
في الوقت ذاته، فإن تعثر اتفاق لكبح الإمدادات بين منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" ومنتجين آخرين بقيادة روسيا، المجموعة المعروفة باسم "أوبك +"، من المقرر أن يؤدي إلى ارتفاع إمدادات النفط.
وأفادت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، أمس، أن مخزونات الخام في الولايات المتحدة زادت في حين انخفضت مخزونات البنزين ونواتج التقطير الأسبوع الماضي.
وارتفعت مخزونات الخام 1.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي يوم 20 آذار (مارس) لتصل إلى 455.4 مليون برميل، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع بزيادة قدرها 2.8 مليون برميل.
وقالت إدارة معلومات الطاقة إن مخزونات الخام بنقطة التسليم في كاشينج بولاية أوكلاهوما ارتفعت 858 ألف برميل الأسبوع الماضي، مضيفة أن استهلاك الخام في مصافي التكرير زاد 18 ألف برميل يوميا. وارتفعت معدلات تشغيل المصافي 0.9 نقطة مئوية على مدار الأسبوع.
وذكرت الإدارة أن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة هبطت 1.5 مليون برميل الأسبوع الماضي إلى 239.3 مليون برميل، مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع لانخفاض قدره 657 ألف برميل.
وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة تراجع مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، 679 ألف برميل على مدار الأسبوع إلى 124.4 مليون برميل، مقابل توقعات لهبوط قدره 1.9 مليون برميل.
وأشارت الإدارة إلى أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام صعد الأسبوع الماضي بمقدار 106 آلاف برميل يوميا.
وتخفض كبرى شركات النفط والغاز في العالم الإنفاق هذا العام بعد انهيار أسعار النفط الناجم عن تهاوي الطلب بسبب فيروس كورونا، وتشكل التخفيضات، التي أعلنتها بالفعل خمس شركات نفط كبرى من بينها "أرامكو السعودية" و"رويال داتش شل"، مجتمعة هبوطا 20 في المائة من خططها المبدئية للإنفاق.
وقالت إكينور النرويجية إنها ستخفض الإنفاق الرأسمالي بنحو ملياري دولار، في حين ذكرت شيفرون أنها ستخفض إنفاقها الرأسمالي هذا العام بأربعة مليارات دولار.
وتقول شركات أخرى مثل "إكسون موبيل" الأمريكية العملاقة و"بي.بي" البريطانية إنها ستخفض الإنفاق الرأسمالي لكنها لم تعط أرقاما حتى الآن.
وستقلص شركة النفط البرازيلية بتروبراس الإنتاج في الأجل القصير وستؤجل دفع توزيعات الأرباح وستخفض خطتها الاستثمارية للعام 2020 بين إجراءات أخرى تستهدف خفض التكاليف في مواجهة جائحة فيروس كورونا.
ويقول مستثمرون أيضا إنه في حالة استمرار الأزمة الحالية، فإن تخفيضات الإنفاق التي أعلنتها شركات النفط الكبرى قد لا تكون كافية لجعلها تبقي على التوزيعات دون أن تزيد مستويات ديونها المرتفعة بالفعل.
وبلغت ديون "شيفرون"، و"توتال"، و"بي.بي"، و"إكسون موبيل"، و"رويال داتش شل"، مجتمعة 231 مليار دولار في نهاية 2019، وهو ما يقل قليلا عن 235 مليار دولار سجلتها في 2016 عندما تهاوت أسعار النفط أيضا إلى أقل من 30 دولارا للبرميل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من الطاقة- النفط