الوباء .. وتفعيل العمل عن بعد

|

تحدثنا في المقال السابق عن هجوم فيروس الكورونا Corona، وعجز العالم أمام هذا الهجوم، وناقشنا أسباب ذلك. وذكرنا في المقال، أن العالم اتفق حاليا على حل أولي لوقف انتشار هذا الفيروس؛ يتمثل هذا الحل في عزل الناس عن بعضهم البعض، كي لا يستغل الفيروس من أصيبوا به في نقل العدوى إلى الآخرين. وتحدثنا عن أثر هذا الحل في تعطيل كثير من الأعمال ووقف كثير من النشاطات. وأبرزنا في هذا المجال دور التقنية الرقمية والعالم السيبراني، عالم الإنترنت وتطبيقاته غير المحدودة، في تمكين بعض الأعمال من العودة إلى تنفيذ نشاطاتها عن بعد. وذكرنا أننا بذلك أمام تجربة أولى على مستوى الأوطان والعالم في تفعيل التحول الرقمي، والاستفادة من التقنية الرقمية على نطاق واسع يتجاوز في اتساعه، ما كان الأمر عليه قبل هجوم "الكورونا" بكثير.


يناقش هذا المقال دور هجوم "الكورونا" في تفعيل التحول الرقمي وبالذات في جانب العمل عن بعد. ولعلنا نبدأ، في هذا المجال، بطرح مسألة مهمة مفيدة للنقاش المنشود. تنظر هذه المسألة إلى الفترة الزمنية التي يشهدها أي ابتكار يقدم تقنية جديدة؛ بين ظهور هذه التقنية من ناحية، وانتشار استخدامها والاستفادة منها من أولئك الذين تستهدفهم من ناحية أخرى. وقد تطول هذه الفترة، أو تقصر، تبعا لعوامل متعددة ترتبط باستيعاب المستهدفين لهذه التقنية، وإدراكهم فوائدها والحاجة إليها، واستعدادهم لتبني استخدامها، ودفع التكاليف اللازمة لذلك. وبالطبع يختلف مستهدفو، مثل هذه التقنية الجديدة، في الفترة الزمنية اللازمة لكل منهم كي يتأثر بهذه العوامل ويقدم على وضعها موضع الاستخدام.


هناك نظرية تدرس الفترة الزمنية للمسألة سابقة الذكر وتعرف، بنظرية انتشار الابتكار Diffusion of Innovation Theory. وقد ظهرت هذه النظرية عام 1962 في كتاب ألفه، إفيريت روجرز Everett Rogers وكان أستاذا في جامعة ولاية أيوا الحكومية Iowa State University في الولايات المتحدة USA. ترى النظرية، أن انتشار أي تقنية جديدة بين مستهدفيها يمر عبر خمس مراحل رئيسة موضحة في التالي.


تبدأ المرحلة الأولى بإقبال المبتكرين Innovation المتابعين للابتكارات التقنية على التقنية الجديدة، والعمل على اكتشافها ورصد إمكاناتها وفوائده، وربما نقاط ضعفها أيضا. ويمثل هؤلاء نسبة ضئيلة من مستهدفي هذه التقنية. وتتميز المرحلة الثانية بإقدام محبي التقنية ومستجداتها بين المستهدفين على السعي إلى استخدام التقنية والاستفادة منها، ويدعى هؤلاء بمتبني التقنية الأوائل Early Adaptors. ويشجع هؤلاء آخرين على استيعاب التقنية الجديدة واستخدامها، فتنطلق في المرحلة الثالثة موجة من الإقبال على هذه التقنية بنسبة مرتفعة من المستهدفين. ثم يعقب ذلك في المرحلة الرابعة موجة أخرى من الإقبال بنسبة مرتفعة أيضا. وتبقى نسبة بسيطة من المستهدفين الكسالى للمرحلة الخامسة، ويدعى هؤلاء بمتبني التقنية المتباطئين Laggards. وتتكرر المراحل بأزمان مختلفة مع كل تجديد للتقنية، أو ظهور لتقنية بديلة.


تشمل تطلعات التقنية الرقمية تفعيل العمل عن بعد في كثير من المهن التي لا تحتاج بالضرورة، وفي كل الأوقات، إلى جمع العاملين في أماكن عمل محددة. وهي تقدم، من أجل تمكين ذلك وتسهيله، مبتكرات تتمثل في وسائل تقنية مختلفة، بعضها عام يصلح لمختلف المهن والنشاطات، وبعضها خاص يرتبط بمجال محدد، كما هو الحال في وسائل التعليم عن بعد. وتقدم مثل هذه المبتكرات التقنية فوائد كبيرة، تتمثل في: الحد من مصاعب التنقل؛ وتوفير الزمن؛ واستهلاك الطاقة؛ والحد من تلوث البيئة؛ وتوتر الإنسان أثناء ذهابه إلى أماكن العمل وعودته منها؛ إضافة إلى الحد من مساحات أماكن العمل؛ وغير ذلك. ولا شك أن في هذه الفوائد، كفاءة أعلى وفاعلية أكبر لكثير من الأعمال.


خضعت التقنية الرقمية، في إطار العمل عن بعد، إلى نظرية انتشار الابتكار ومراحلها الخمس. وتفاوت زمن الوصول إلى هذه المرحلة أو تلك تبعا لآراء مؤسسات الأعمال وتوجهاتها في شتى أنحاء العالم. لكن الأمر اختلف مع هجوم فيروسات الكورونا، الذي شمل العالم بأسره، فقد قاطع هذا الهجوم عمل الجميع، بل قطع استمراره، ووضع العالم بأسره في حالة ذهول أمام المجهول. التوجه العالمي القائم في مواجهة "كورونا" هو العزل، والتوقف عن التنقل، وابتعاد الناس عن بعضهم البعض منعا للعدوى. بذلك تعثر معظم أعمال الإنسان ونشاطاته. وكان لا بد من اللجوء هنا إلى التقنية الرقمية والعمل عن بعد من أماكن العزل. وهكذا جاء القفز إلى التقنية الرقمية في جميع المجالات المهنية الممكنة لتختصر بذلك كل مراحل نظرية انتشار الابتكار.


سيتيح العمل عن بعد على نطاق واسع عبر التقنية الرقمية المتاحة اختبار إمكانات هذه التقنية، إضافة إلى اختبار قدرات التقنية الممكنة لها والداعمة لإمكاناتها، بما في ذلك شبكات الاتصال، وحواسيب الخدمة المرتبطة بها. وسيساعد هذا الاختبار على التعرف على مكامن القوة والعمل على تعزيزها، والكشف عن مواطن الضعف والسعي إلى معالجتها. يضاف إلى ذلك، أمام الاعتماد الواسع على العمل عن بعد بروز احتياجات جديدة تدفع إلى تقديم مبتكرات جديدة تدعم الأعمال المختلفة وتجعلها أكثر فاعلية. وقد نجد أنفسنا بعد انتهاء أزمة "كورونا" بالسلامة التي ينشدها الجميع -بإذن الله-، أكثر اعتمادا على العمل عن بعد، عبر التقنية الرقمية وتطوراتها وتجددها المتواصل، لنتمتع بما تقدمه من معطيات تؤدي إلى الارتقاء بحياة الإنسان.


وهكذا نجد أن لبيئة حياة الإنسان أثرا كبيرا في توجهاته وأعماله، وتطلعاته وابتكاراته. بيئة الانعزال والابتعاد عن الآخرين التي سببتها فيروسات الكورونا، دفعت الجميع إلى اللجوء إلى تفعيل العمل عن بعد في مجالات مختلفة. وبالتجربة واستخلاص النتائج، والسعي إلى التطوير، قد يصبح العالم بعد "كورونا" أكثر كفاءة وفاعلية عما كان قبلها. لكن الأهم الآن، أن ندعو الله تعالى أن ينقذ البشرية من هذا الوباء الأليم.

إنشرها