ثقافة وفنون

درس «كورونا»: تواصوا إذن بالبيوت

رسم تعبيري للفنان السعودي عبدالجبار اليحيا.



رغم عقود مضت منذ العبور غير المنتهي لإنسان العصر الحديث، حيث الشركات عابرة للقارات، والمطارات محطات الحاضر وبيوتات المستقبل، بينما الحكومات قانعة بفتاتها وحروبها. حلت بالأرض جائحة أعادت الإنسان إلى رشده، أعادته الى رحم البيت الذي كاد في خضم عجلته وتنقلاته ينساه. ليتردد في خلفية المشهد ما قاله شوقي بزيع يوما: "تواصوا إذن بالبيوت. استديروا ولو مرة نحوها. ثم حثوا الخطا نحو بيت الحياة الذي لا يموت".
استدارة متأخرة كلفتنا موتا بالآلاف يتزايد لحظة تلو أخرى، وتهديدا طويل الأجل، لبنية صحية طالما تفاخر بها إنسان هذا الزمان. استدارة تعيد الخارج إلى الداخل والشارع إلى البيت. وتؤكد لمن جاهروا ذات ثورة بأن الأوطان قابلة للمتاجرة، حقيقة واحدة: إن المطارات محطات، وإن أوطاننا بيوتنا. ولن نعرف في صقيع شتائنا: "ما يوازي الركون إلى صخرة العائلة وحرير السكوت".
الشركات بمسؤولياتها المحدودة هي أيضا باتت في خضم الأزمة تبحث عن بيت ووطن. ولم تعد تتباهى بتعدد جنسياتها، بل ذات جنسية وجنس واحد يحافظ على بقائها وديمومتها. بينما الأفراد يسائلون حكومات أوطانهم ماذا فعلت؟ وماذا ستفعلين لحمايتنا وحماية بيوتنا؟.
الأسئلة مشروعة وعديدة في حين أن الناجحين في الإجابة عليها قولا وفعلا قليلون. ما يجعل العالم بحكوماته وأوطانه أمام مفترق طرق سيتحدث عنه التاريخ طويلا. إذ سيذكر بحسرة بيوتا نبذت أبناءها وهم فيها. وأخرى احتضنتهم حين استداروا محتمين بأسوارها.
الدروس عديدة فإن تباعدنا اجتماعيا إلا أن داخل البيوت بات أغنى ويضج حياة طالما افتقدها بسبب الأعمال الطارئة والوعود المؤجلة. حيث الوعد واحد والخوف واحد والانتظار أيضا واحد. فيما ممكنات العزلة وافرة؛ تأثيث النفس بالمعارف وتهذيبها بالتأمل والصبر.
وإذ خلت الشوارع اليوم إلا أن البيوت في المقابل ذاكرتها مضاعفة وحياتها متواصلة فالموت الوحيد الذي تعرفه البيوت "إذا غاب سكانها". حكمة ستتناقلها الأجيال طويلا كلما عبرتها جائحة لتعود راغبة قانعة إلى أحضان أوطانها وبيتها تلتقط أنفاسها وتجدد آمالها لتنبعث من جديد.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون