ليلة مختلفة .. مؤتلفة

|

كان ليل الإثنين الماضي مهيبا في الرياض، وفي كل مدن المملكة؛ عم الهدوء التام الشوارع منذ السابعة مساء، إلا من قلوب رجال الأمن، تخفق في حب الوطن والمواطنين، وقلوب الممارسين الصحيين، يذهبون إلى مواقع البطولة في مقار أعمالهم، أو يعودون.


كانت صورا تمثل هيبة ومحبة الملك، الذي نفذ الجميع توجيهه الأبوي الصارم والحنون في آن واحد، وتتمثل هيبة الوضع في هذه الحرب الضروس بين الإنسان وهذه الجائحة، الحرب التي تكسب السعودية معاركها، وستكسبها كلها - بحول الله وتوفيقه - ثم بحزم وعزم الحكومة، وتجاوب الناس، الذين أبدى أغلبيتهم العظمى استجابة وانضباطا، يعدان اليوم من ملامح التحضر الإنساني الحقيقي.


سكن من ليس عمله حرجا في هذه الأزمة إلى منزله وأهله، في أمن وأمان، بدآ يتخلخلان حتى في دول عظمى، ووفرة عيش لم تتوافر لثلاثة أرباع سكان المعمورة، حتى إن الشعب السعودي النبيل بدأ يتداول الدعوات لتفقد المتعففين، والمحتاجين، وبعض أنواع العمالة ممن قد يصعب عليهم إيجاد التموين أو بعض الاحتياجات، وبدأ النبلاء في مناقشة أفضل الظروف التي يمكن توفيرها للعمالة المنزلية، وربما لأهاليهم هناك في أوطانهم الأصلية.


أمسى السعوديون والمقيمون على أرضهم في بلد كبير المقام، عرف من لم يكن يعرف قيمته، وأيقن من كان يعرف أن حدسه في محله، وأصبحوا أمس على نجاح التجربة الأولى في حياتهم - نسأل الله أن تكون الأخيرة، فالنجاح الذي لن يكدره مشهور أحمق، أو مشهورة بلهاء، اختصرا الأمر في "فكرة" الغرامة المالية، ولم يريا العمق السعودي الذي مثلته حكمة وحنكة القيادة، ومحبة الناس لهذه القيادة، وثقتهم بقراراتها التي يرونها اليوم الأفضل بين دول العالم في هذه الجائحة.


تم تقييد الحركة للمصلحة العامة لنحو نصف اليوم، فانطلق الحراك الاتصالي والإعلامي في أشكال نحسب أن أغلبها إيجابي، حتى تلك النوادر والطرف والقصص التي بدأت مع الحجر المنزلي، وبلغت ذروتها مع حظر التجول، جاءت في سياقات طبيعية معقولة ومتوقعة ومقبولة، فهذه طبيعة البشر، وهي في شكل من أشكالها جزء من لغة الأزمة، وملمح لأدبياتها الشعبية، أو فلنقل الإنسانية.


بعض المتداول كان بالفعل مبدعا وعميقا على بساطته، كمقولة أطلقها أحدهم تلك الليلة تقول ما معناه "ستعتقد القطط في الشوارع أننا انقرضنا"، وفي هذه الجملة بعد فلسفي ربما تضمنه بعض نصوص "العزلة" أو أفكارها، وإذا تمعنت في مشهد طائر الحمام في شوارع إسبانيا، تجد أن الحمام هناك ربما - في مخيلتك - راودته الفكرة نفسها عنا نحن البشر.


حفظ الله المملكة وأهلها والبشرية جمعاء.

إنشرها