قوة «العشرين» ومعالجة الواقع الاقتصادي

|

بالأمس، وبنجاح كبير، وبدرجة عالية من الاحتراف والتقنية العالية، وبرئاسة المملكة، اجتمع أكثر من 40 وزيرا للمالية ومحافظا للبنوك المركزية على طاولة اجتماع افتراضية للمجموعة، وذلك لدراسة وتتبع آثار جائحة فيروس كورونا "كوفيد ـ 19" في الاقتصاد العالمي، وتنسيق الجهود لمواجهتها. وعلى كل حال أثبتت التقنية قدرتها على تحقيق كثير من المستهدفات، وأن الاستثمار فيها يزيد من صلابة الدول في مواجهة الكوارث الاقتصادية، ذلك لأن كثيرا من عمليات الاستثمار والتبادل التجاري تتم من خلال التقنية، كما أن اجتماعات كبار الوزراء في العالم واتخاذهم القرارات لم تعد بحاجة إلى السفر والتنقل، وهذا لم يكن متاحا قبل أعوام من الآن.


لقد انتهى اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بالاعتراف بأن جائحة كورونا غيّرت كثيرا من "آفاق النمو العالمي" وبصورة حادة منذ آخر اجتماع لـ"مجموعة العشرين" عند هذا المستوى الذي كان في شباط (فبراير) الماضي، شهر واحد كان كفيلا بقلب موازين العرض والطلب، وخلط الأوراق والأولويات تماما، وهو ما يستدعي كثيرا من العمل من أجل إعادة ترتيب الاقتصاد العالمي وأولوياته، ولهذا كان لزاما علي وزراء المجموعة الاتفاق على وضع خطة عمل مشتركة، ومن ذلك التحضير لقمة قادة دول "مجموعة العشرين" عاجلة برئاسة المملكة وستكون افتراضية أيضا، وذلك لتنسيق الجهود العالمية الرامية إلى مكافحة الجائحة وترميم ما أفسدته اقتصاديا واجتماعيا.


لقد تسببت أزمة "كورونا" في توقف كثير من القطاعات الإنتاجية، وتوقفت معها سلاسل الإمداد تبعا لذلك، كما تدهورت صناعة الطيران في الأسبوع الماضي بشكل يحمل في طياته تحديات الإنقاذ، وفي الأوقات الصعبة مثل هذه فإن أسواق المال تتعثر في تقديم الدعم الطلوب للإنقاذ، وفي بعض الأحيان قد تكون أسواق أدوات الدين ذاتها تحتاج إلى دعم، لقد مر العالم بتجربة مؤلمة سابقة. فلم يمض وقت طويل حتى ينسى العالم مصاعب الأزمة المالية العالمية، لكن في المقابل تحسنت مرونة الدول والحكومات حتى الشعوب في فهم مدى الحاجة إلى سرعة الإنقاذ، ولكن هذا مرهون بتكاتف الجميع وهذا هو ما أكده وزير المالية السعودي عند افتتاح الاجتماع والحاجة إلى تكثيف الجهود المشتركة لـ"مجموعة العشرين" لدعم الشعوب والأعمال التجارية، واستعادة الثقة العامة، والحيلولة دون وقوع آثار اقتصادية سلبية، عميقة، وطويلة الأمد، وهنا بيت القصيد، فالأزمة الحالية تضرب بأطنابها الصغار قبل الكبار، وإذا كانت قدرة الكبار واضحة في الوصول إلى الدعم، فإن حاجة المؤسسات والأعمال الصغيرة والمتوسطة إلى الدعم أكبر والتجربة هنا أقل، وأي تراخ في هذا الشأن قد يصيب ثقة المجتمعات مباشرة وقد يؤدي ذلك إلى أزمات سياسية واقتصادية أعمق، ويكرر تجارب مؤلمة.


من الجيد والمبشر أن العالم الآن يدار من خلال الدول العشرين بطريقة أفضل بكثير من أزمات سابقة؛ كالأزمة المالية أو الأمراض التي عصفت بالعالم في أوقات تاريخية سابقة، فالدول العشرون هي التي تسيطر على أكثر من ٩٠ في المائة من الناتج المحلي العالمي، وفيها يعيش أكثر من ثلثي البشر، ومن هنا تأتي قدرة هذه الدول مجتمعة على تنسيق الجهود، خاصة بشأن الديون، ودعم الاستقرار المالي والسيولة في الأسواق الناشئة واقتصادات الدول النامية، ورفع مستوى مكافحة جائحة فيروس كورونا "كوفيد ـ 19".

إنشرها