التأثير المحتمل للأزمة العالمية في سوق العقار

|

صدمت الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، الناتجة من الانتشار السريع لوباء فيروس كورونا (كوفيد - 19)، جميع الأسواق المالية حول العالم دون استثناء، وكبّدتها خلال أقل من شهرين خسائر فادحة راوحت بين 30 و42 في المائة حتى تاريخه، ووصلت إلى مستويات أعلى بكثيرٍ في السوق النفطية العالمية متجاوزة سقف 67 في المائة خلال الفترة نفسها، وهو ما أظهرته مباشرة شاشات تلك الأسواق حول العالم، بينما ما زالت الأسئلة الأهم قائمة حول الآثار المحتملة لتلك الأزمة في أداء الاقتصادات وقطاعاتها الإنتاجية والنتائج المالية للشركات والمصانع العاملة فيها التي تشكل العصب الأكبر للنمو والتوظيف في تلك الاقتصادات، إضافة إلى الانعكاسات على الأسواق العقارية فيها، التي يتأخر نشر بياناتها عادة لطبيعتها المختلفة تماما عن الأسواق المالية، ولا يسد ذلك التأخير أو غياب تلك المؤشرات الحقيقية المهمة سوى التقديرات الصادرة عن المصارف الاستثمارية الكبرى، التي ستتأكد لاحقا بعد صدورها بصورة رسمية من الجهات والهيئات الرسمية.


في الوقت الذي يغيب خلاله بدرجة كبيرة معرفة نهاية هذه الأزمة حتى تاريخه، وتطغى أثناءه ضبابية كثيفة على واقع ومستقبل الاقتصادات والأسواق حول العالم، إلا أن جهات دولية ومصارف استثمارية عديدة أصدرت توقعاتها المبدئية القائلة بدخول الاقتصاد العالمي فترة ركود، وقد تتطور مع امتداد عمر انتشار الفيروس إلى وقوع الاقتصاد العالمي تحت وطأة كساد طويل الأجل، والمتطلبات لاحقا لأجل الخروج منه، تقتضي بالضرورة القصوى أن يتم إقرار الاقتصادات لسياساتٍ مالية ونقدية هائلة، يجب أن تتضمن ضخ عشرات التريليونات من الدولارات لاستعادة وتائر النشاط الاقتصادي والاستثمار والإنتاج والتشغيل والتوظيف، ولأجل تضميدٍ واسع للجروح العميقة التي خلفتها وستخلفها الأزمة الراهنة في مختلف أرجاء الاقتصادات والأسواق.


وفي شأن موضوع المقال هنا حول أسواق العقار، فمن المؤكد أن كل ما تقدم ذكره أعلاه ستكون له آثاره العكسية في السوق، وكما أنه قد يكون من المبكر التحديد الدقيق لحجم الآثار في أداء الاقتصاد العالمي، والاكتفاء حتى تاريخه بمجرد تقديرات أولية تشير إلى دخوله خلال الربعين الأول والثاني من العام الجاري في ركود، وإمكانية تحوله إلى كساد طويل الأجل حال استمرت الأوضاع الصعبة الراهنة، يمكن إسقاط التقديرات ذاتها على أوضاع الأسواق العقارية عموما حول العالم، وترقب ما ستسفر عنه البيانات الرسمية في المنظور الزمني القريب، والاسترشاد خلال الفترة الراهنة بما أظهرته تلك البيانات حول أداء الأسواق العقارية أثناء وبعد الأزمة المالية العالمية 2008، التي أظهر المتوافر منها، وفقا لبنك التسويات الدولية (BIS)، انخفاض مؤشر العقارات الأمريكي "المصدر الأول للأزمة" خلال تلك الفترة بنسبة 38 في المائة، فيما لم يتجاوز الانخفاض لمؤشر العقار في منطقة اليورو أكثر من 16 في المائة للفترة نفسها.


وبالنسبة للسوق العقارية المحلية، ليس معروفا بصورة مؤكدة وموثوقة تأثير الأزمة المالية العالمية فيها آنذاك؛ للغياب التام للبيانات الرسمية والمؤهلة لتقديم صورة دقيقة وحقيقة لما طرأ على السوق خلال تلك الفترة، ويكتفى هنا بالإشارة إلى أن السوق العقارية المحلية وقياسا على سرعة اتخاذ كثيرٍ من التدابير المحلية للتصدي لآثار الأزمة المالية العالمية، وأن مستويات الأسعار في السوق كانت لا تزال في طور مسارها الصاعد بعد حدوث أزمة سوق الأسهم المحلية 2006، التي تدفقت عليها أموال وثروات هائلة دفعت بارتفاع الأسعار السوقية للأراضي والعقارات، في الوقت ذاته الذي كانت مساهمة التمويل العقاري في نشاط السوق عند أدنى مستوياتها، مقارنة بمثيلاتها إقليميا وعالميا؛ ما خفض كثيرا بدوره أي مخاطر محتملة على السوق العقارية، واستمر التصاعد في مستويات الأسعار بوتيرة متصاعدة طوال الفترة من بعد الأزمة المالية العالمية 2008، حتى وصلت إلى ذروتها تاريخيا خلال 2014 - 2015 التي بدأت الدولة -أيدها الله- بإجراء إصلاحات عديدة للاقتصاد الوطني عموما، وللسوق العقارية المحلية خصوصا، كما شهدت أيضا تلك الفترة وما تلاها تراجعا شديدا للأسعار العالمية للنفط، خلص أداء مؤشر السوق العقارية خلال الفترة 2014 - 2018 إلى انخفاضه بنسب راوحت بين 37 و41 في المائة، سرعان ما عاد مؤشر العقار إلى النمو مجددا مع نهاية 2018 حتى الربع الجاري بنسب راوحت بين 15 و30 في المائة، مستفيدة بدرجة أكبر من الزيادة غير المسبوقة تاريخيا لضخ التمويل العقاري، الذي وصل باختلاف أنواعه حتى مطلع العام الجاري، إلى أعلى من 113 مليار ريال، وشكّل أعلى من 80 في المائة من إجمالي قيمة صفقات القطاع السكني.


بالسؤال عن التأثير المحتمل للأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة في السوق العقارية المحلية، لا بد من التذكير، كما سبق أعلاه؛ أنه في ظل خضوع الاقتصادات والأسواق حول العالم للمقدمات الأولية لهذه الأزمة، وعدم اكتمال صورة البيانات اللازمة لمعرفة الآثار عموما، وعلى السوق العقارية تحديدا. ورغم كل ذلك وقياسا على المتغيرات الاقتصادية والمالية الراهنة محليا وخارجيا، وبناء على ما أصبحت عليه السوق العقارية في وضعها الراهن عبر ارتفاع ارتباطها بالتمويل العقاري، على العكس تماما مما كانت عليه خلال 2008، إضافة إلى الاختلاف الكبير بين اتجاهات الأسعار ومستوياتها خلال فترتي الأزمتين السابقة والراهنة، يمكن القول وفقا لكل تلك المتغيرات: إن تأثر السوق العقارية سيأتي تحت ضغوط الأزمة الراهنة بدرجة أكبر مما تعرضت له خلال الأزمة المالية الماضية، وذلك لعاملين رئيسين:


يتمثل العامل الأول في ارتفاع درجات التحوط من قبل المصارف ومؤسسات التمويل تجاه مخاطر انتشار الفيروس التي ستؤثر بدرجة كبيرة في أوضاع السوق العقارية المحلية، التي أصبحت تعتمد بشكل كبير على تمويل تلك المصارف ومؤسسات التمويل، وما أصبح التمويل يشكله من وزن نسبي كبير لنشاط السوق العقارية، وبحال قيام المصارف ومؤسسات التمويل باتخاذ أي تدابير تحوطية تقتضيها تحديات ومخاطر الأوضاع الراهنة، فإن ذلك سيؤثر عكسيا في سيولة السوق العقارية، ومستوى نشاطها والأسعار السوقية لمختلف أصولها. العامل الثاني: يتمثل في ارتفاع استجابة الأسعار المتضخمة للتطورات الراهنة، التي استفادت بدرجة كبيرة من ارتفاع حجم القروض السكنية طوال أكثر من عام مضى، فوفقا للمسار العكسي المتوقع نتيجة انكماش إنفاق المستثمرين والأفراد والتمويل، يتوقع أن يشكل هذا التحول ضغوطا كبيرة على مستويات الأسعار، سيكون من المبكر جدا تقديرها خلال الفترة الراهنة، والتأكيد أن المتابعة اللصيقة والمستمرة لنشاط السوق العقارية، كفيلة بالكشف عن تلك التغيرات المرتقبة، وهو ما سيتم الكشف عنه وتحليله مستقبلا -بمشيئة الله تعالى- حال توافر البيانات الرسمية الصادرة محليا حول تفاصيله.

إنشرها