فيروس كورونا بجعتنا السوداء

|

فيروس كورونا وتداعياته أفضل مثال لما يطلق عليه البجعة السوداء التي تنطبق عليها الشروط الثلاثة التي سبق أن تكلمت عنها في مقال "البجعة السوداء وزمن الأحداث"، وهذه الشروط هي: غير متوقع، التأثير شديد وأخيرا محاولة تفسيره ومنطقته بعد استيعاب الحدث، رغم توقع كثيرين ظهور وباء يهدد ويقتل عددا كبيرا من البشرية، إلا أن الحدث وقع بشكل مفاجئ ومن غير استعداد له، أما التأثيرات فحتى هذه اللحظة عنيفة؛ بل الأصعب أن تداعياتها لم تنته حتى الآن وقد تستمر أعواما. بناء على ذلك، لا يمكن أن يدعي أحد تحقق تنبؤاته بخصوص اندلاع أزمة مالية، حيث لولا وقع أحداث الفيروس لا يمكن التأكد من احتمالية وقوع أزمة مالية لأي سبب آخر.


‎لا أعتقد أن أي شركة حول العالم استعدت بشكل مناسب لمثل هذه الأحداث؛ بل العالم أجمع لم يستعد، المفاجأة كانت قوية، الاستنتاجات والتوقعات في كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) تختلف تماما عنها اليوم، وهذا يدل على حجم عدم الوضوح وعنصر المفاجأة؛ بل إن التوقعات تختلف من أسبوع لآخر، وإلى هذه اللحظة العالم كله لا يعلم متى تنتهي هذه الأزمة، وما مدى حجم الخسائر البشرية والاقتصادية لها، إنها أيام عصيبة جدا على العالم، ولعلها أقوى حدث يؤثر في العالم صحيا واقتصاديا وماليا واجتماعيا بالنسبة لجيلنا والأجيال القريبة منه.


‎بالنسبة للاقتصاد، فأغلب القطاعات تأثرت من هذا الحدث، وتختلف حدة وشدة الأثر من قطاع لآخر، الأغلب سلبي والقليل إيجابي، هناك قطاعات تعطلت تماما مثل السياحة والضيافة ومراكز التسوق، وهناك قطاعات تعاني مثل التشييد والبناء والتجزئة والمصارف والمقاولات وغيرها كثير، وهناك قطاعات مستفيدة مثل قطاع التجزئة للأغذية وأخيرا قطاعات لم تتأثر بما يحدث مثل قطاع الاتصالات.


‎الأكيد أن الأغلب تأثر سلبا بما يحدث، ولربما نستطيع تلخيص الأثر في نقطتين وهما:


‎1 - تحقيق خسائر: في ظل عدم التمكن من "البيع" سواء عدم القدرة على الإنتاج "توقف العمل في المصانع مثلا" أو عدم القدرة على البيع بسبب إغلاق قنوات البيع والتوزيع، ستؤدي إلى انخفاض ضخم في المبيعات، وبالتالي عدم تغطية التكاليف الثابتة لهذه الشركات، وفي النهاية تحقق خسائر بشكل حتمي.


‎2 - انخفاض كبير في التدفقات النقدية التشغيلية: من المعروف أن أهم مكون في التدفقات النقدية هو التدفقات النقدية المتحصلة من النشاط التشغيلي، فعند عدم الاستطاعة للبيع "كما تم شرحه في النقطة الأولى" سيوجد خلل في النقدية والسيولة؛ ما يؤدى إلى وضع الشركة أمام خيارات صعبة، وهي استهلاك سيولتها "إذا كانت لديها أرصدة نقدية" أو الاقتراض من المصارف أو تسييل أصول أو إعلان الإفلاس "كآخر حل".


‎بالنسبة للنقطة الأولى، درجة تحملها ومعالجتها تختلف من شركة إلى شركة، فالشركة التي لديها احتياطيات ورأسمال ممتاز ووضع قوي في السوق تستطيع تحمل خسائر ستة أشهر أو عام وربما أكثر كذلك، لكن الشركات التي لديها قاعدة رأسمال ضعيفة وحقوق مساهمين هشة لن تستطيع الصمود دون دعم من المساهمين، وأغلب من في السوق هم من هذه النوعية لذلك لو استمرت تداعيات الفيروس لأكثر من ربع فربما يعلن عدد ضخم من الشركات والمؤسسات إفلاسه، إذن ما الحل؟ أعتقد بخلاف حلول تخفيف التكاليف عبر فصل الموظفين وغيرها يجب التفكير خارج الصندوق وذلك عبر تكاتف الجميع، خصوصا من مصادر التكاليف مثل الموظفين وأصحاب العقارات والدولة، حيث تتبنى وزارة الموارد البشرية حلا وسطيا بين الموظفين وأصحاب الأعمال بتخفيف بند الرواتب كى تستمر المنشأة ولا تضطر إلى فصل أحد ولا إلى الإفلاس وتنتهي الوظيفة، فليس من الإنصاف أن يتم منع المنشأة (نظاما) من تحقيق مبيعات بسبب الفيروس عبر إغلاق منافذ البيع مثلا وفي الوقت نفسه يتم منعهم (نظاما) من تسريح موظفين، كى تعيش المنشأة وتستمر يجب مراعاة الظرف الاستثنائي ومحاولة إيجاد حلول وسطية تحقق الهدفين: إبقاء الوظائف والمنشأة، وكذلك أصحاب العقارات من المفترض تعاونهم عبر تخفيض إيجاراتهم بما يسمح للمنشأة بالاستمرار حتى لا يشغر العقار ولا يجد مَن يستأجره إذا أفلست المنشأة، أما الدولة فعبر إعفاء الرسوم بطريقة مناسبة ومدروسة.


‎أما النقطة الثانية، فلقد قدمت الدولة عدة مبادرات ممتازة لحل مشكلة التدفقات النقدية ومعالجة مشكلة رأس المال العامل عن طريق ضمانات وقروض وتأجيل مستحقات المصارف، وهذه المبادرات لن تحل مشكلة الخسائر لكن تحل "جزئيا" مشكلة السيولة على المدى القصير.


‎الاقتصاد يعد مثل ركوب الدراجة كى تبقي متوازنا ولا تسقط يجب أن تستمر في الحركة، حيث إن الطلب والعرض موجودان لكن البيع لا يتم وهذه حالة غير مسبوقة على الاقتصاد، المال بيد المستهلكين ورغبتهم في الشراء موجودة ومنافذ البيع مليئة بالبضائع (مثل المولات) أو لديها القدرة على تقديم الخدمة "مثل المطاعم ومراكز الترفيه والنوادي الرياضية وغيرها" لكنها مغلقة، ولهذا الحل الأكيد هو فقط عودة الأوضاع لما كانت عليه، وهو -كما نعرف- خيار غير متاح الآن لاعتبارات أهم من الاقتصاد وهي الأرواح البشرية، ولذلك لعل من المهم اليوم مراجعة كيفية العمل في بيئات مثل ما نعيشه اليوم، احتمالية قدوم فيروس متطور عنه واردة بشكل كبير، وقد يكون هذا العام أو الأعوام المقبلة، والله أعلم، لكن لا أحد يجادل حول إمكانية انتشار آخر، لهذا يجب إيجاد طريقة للعمل تحت مثل هذه الظروف، حيث تقلل من آثاره القوية سواء عبر العمل عن بُعد أو أي أفكار أخرى.

إنشرها