FINANCIAL TIMES

أمر غير مسبوق .. الأسواق مصابة بداء «بيع كل شيء»

متداول أصابه الإعياء من أداء سوق الأسهم الأمريكية المحبط. تصوير: ريتشارد درو «أ.ب».

المراحل الأولى لصدمة فيروس كورونا للأسواق اتبعت نصا مألوفا: انخفضت الأسهم بشدة بينما ارتفعت السندات الحكومية التي يتطلع إليها المستثمرون في أوقات التوتر بشكل كبير. ما حدث كان أمرا مؤلما لكثير من مديري الصناديق، لكنه أيضا كان استجابة قياسية لخطر حدوث ركود عالمي وشيك.
إلا أن ذلك النمط بدأ ينهار مع انخفاضات كبيرة في الأصول الآمنة في الوقت نفسه الذي حدثت فيه انخفاضات تاريخية في الأسهم. في الأسبوع الأخير اشتد الكرب، ما أوجد عقلية "بيع كل شيء" التي أذهلت المخضرمين في الصناعة.
قال بوب ميشيل؛ كبير الإداريين الاستثماريين في "جيه بي مورجان" لإدارة الأصول، "كان الأمر محيرا. أنا أمارس هذا العمل منذ 40 عاما تقريبا، وهذه هي أغرب سوق شهدتها على الإطلاق"، واصفا نقص الأصول الموثوقة التي ترتفع في حالات الاضطراب بأنه غير مسبوق. أسعار السندات الحكومية التي عادة ما تكون الملاذ الآمن النهائي للأسواق المالية ونقطة مرجعية أساسية للأصول في أنحاء العالم كافة، تقلبت بشكل كبير خلال أسبوع التداول الأخير. وكثيرا ما تعثرت جنبا إلى جنب مع أسواق الأسهم، في الوقت الذي سحب فيه المستثمرون الأموال من الصناديق بوتيرة قياسية وسارع مديرو المحافظ لبيع أي أصول يمكنهم بيعها.
في المراحل الأولى من الوباء تراكم المستثمرون على السندات الحكومية؛ ما أدى إلى انخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشرة أعوام إلى أدنى مستوياتها، أقل من 0.4 في المائة في التاسع من آذار (مارس). كان رد الفعل مماثلا على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، مع انهيار عوائد السندات لأجل عشرة أعوام في ألمانيا، ملاذ أوروبا النهائي، إلى مستوى غير مسبوق بلغ سالب 1 في المائة.
بعد الوصول إلى تلك المستويات الدنيا ارتفعت العوائد بشكل حاد، وهو ارتفاع تسارع خلال تداولات غير منظمة شهدها الأسبوع الأخير. ومع قبول المستثمرين بحدوث حالة ركود عالمية عميقة، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشرة أعوام إلى ذروة بلغت نحو 1.3 في المائة يوم الخميس، وفي المقابل ارتفعت العوائد في ألمانيا إلى سالب 0.2 في المائة.
استعد كثير من مديري الصناديق لعام هادئ من العوائد الثابتة. لكن بدلا من ذلك قيمة أصولهم تتدهور ويضطر كثيرون إلى إعادة الأموال إلى العملاء الذين قد يفضلون اللجوء إلى أمان الودائع النقدية.
قال أندرو ويلسون؛ رئيس الدخل الثابت العالمي في "جولدمان ساكس" لإدارة الأصول، "الصناعة ككل تواجه تدفقات خارجة. مسؤوليتنا الأساسية هي توليد السيولة التي يريدها عملاؤنا. جميعنا مضطرون إلى بيع الأشياء التي نستطيع بيعها، بدلا من الأشياء التي نريد بيعها في بيئة سوق هادئة. لهذا السبب تتردد أصداء هذا تماما عبر كل شيء".
ويشتكي مديرو صناديق السندات من نقص السيولة، خصوصا بالنسبة لسندات الشركات الأكثر خطورة، في الوقت الذي تبتعد فيه البنوك وشركات التداول الأخرى عن الأسواق. هذا يعني أن كثيرين يضطرون إلى الاستغناء عن مزيد من السندات الحكومية المتداولة بكثرة من أجل إعادة النقود إلى العملاء.
هذا الوضع اضطر البنوك المركزية إلى توفير الدعم لأسواق الدخل الثابت ـ وصل إليها بسرعة مذهلة. فبعد أن فشل إعلان «الاحتياطي الفيدرالي» عن عمليات شراء أصول بما لا يقل عن 700 مليار دولار يوم الأحد الماضي في تهدئة الأسواق، أتبعه البنك المركزي الأوروبي بعمليات شراء بقيمة 750 مليار يورو وبنك إنجلترا بقيمة 200 مليار جنيه يوم الخميس.
الخسائر الأخيرة للسندات الحكومية أدت إلى التشكيك في دورها التقليدي في محافظ المستثمرين، حيث عادة ما تكون ثقلا موازنا يرتفع مع انخفاض الأصول ذات المخاطر العالية.
قال ريك ريدر؛ كبير الإداريين الاستثماريين للدخل الثابت العالمي في "بلاك روك"، "القيمة كتحوط ليست موجودة". وأوضح أنه باع السندات الحكومية الأمريكية خلال الأسبوعين الماضيين حتى في الوقت الذي كانت تنهار فيه أسواق الأسهم، معتبرا أنه لا يوجد جانب إيجابي يذكر محتمل في امتلاكها - لكنّ هناك مجالا كبيرا للانخفاضات.
مع تخفيض «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة إلى ما يقارب الصفر وإعادة إطلاق برنامج عمليات شراء السندات، قال ريدر يوم الخميس إن عوائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشرة أعوام تبدو جذابة بناء على التقييمات، لكن التقلبات مزعجة. "الآن من المنطقي امتلاك أصول خطرة بأحجام أصغر ولا شيء آخر. أفضل تحوط في محفظتنا هو النقود".
أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم ليست وحدها في هذا الاندفاع نحو السيولة. سحب المستثمرون مبلغا قياسيا بلغ 109 مليارات دولار من صناديق السندات في الأسبوع المنتهي يوم الأربعاء، وفقا لبيانات من EPFR Global. صناديق أسواق المال التي تستثمر في السندات قصيرة الأجل، الشبيهة بالنقود، شهدت تدفقات داخلة قياسية. سندات الخزانة الأمريكية التي تحل آجالها خلال عام واحد أو أقل وتعد أكثر شبها بالنقود، شهدت طلبا مرتفعا لدرجة أن العوائد أصبحت سلبية الأسبوع الماضي.
على الرغم من الارتفاعات الأخيرة، إلا أن تكاليف الاقتراض الحكومي في الاقتصادات المتقدمة الكبيرة لا تزال منخفضة بحسب المعايير التاريخية - إلى حد كبير بفضل جهود البنوك المركزية. استعادت السندات بعضا من خسائرها يوم الجمعة، على الرغم من أنها فعلت ذلك مع استقرار أسواق الأسهم. يقول محللون إن الاختبار الحقيقي لمدى قوة أسواق السندات سيأتي عندما يكون هناك انخفاض متجدد في أسواق الأسهم.
أحد المؤشرات على توتر المستثمرين هو أن التقلبات في سوق سندات الخزانة الأمريكية لا تزال قريبة من أعلى مستوياتها منذ عام 2009، بحسب مؤشر أعده "بانك أوف أميركا".
خلال الأسبوع الماضي شهد الناس تقلبات "ينبغي، من الناحية الإحصائية، أن تحدث فقط كل بضعة آلاف عام"، كما قال جاي ليباس؛ كبير خبراء الاستراتيجية للدخل الثابت في شركة جيني مونيتري سكوت، لذلك "ربما كانت الأسواق المالية مختلة قليلا".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES