معركة البقاء أمام الزلزال العالمي لـ«كوفيد ـ 19»

|

 جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين -أيده الله- التي وجّهها من خلال كلمات صادقة وواضحة ومباشرة للمواطنين والمقيمين، أمام الخطر العالمي الأكبر الذي يواجهه العالم بأسره المتمثل في تفشي وانتشار فيروس كورونا "كوفيد - 19"، كعنوان رئيس لحجم الاستعداد والتأهب الكبيرين اللذين بذلتهما وستبذلهما الدولة -أيدها الله- تجاه هذا الخطر المهدد للاستقرار العالمي بأشكاله كافة، مبينا بقوله الكريم: "إننا نعيش مرحلة صعبة في تاريخ العالم، لكننا ندرك تماما أنها مرحلة ستمر وتمضي رغم قسوتها ومرارتها وصعوبتها، مؤمنين بقول الله تعالى: "إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا"، ومؤكدا في تصميم واثق من رب العزة والجلال: "إن بلادكم المملكة، مستمرة في اتخاذ كل الإجراءات الاحترازية لمواجهة هذه الجائحة، والحد من آثارها مستعينة بالله تعالى، ثم بما لديها من إمكانات في طليعتها عزيمتكم القوية في مواجهة الشدائد بثبات المؤمنين العاملين بالأسباب"، ثم بيّن -حفظه الله- بكلمات اتسمت بالصراحة المعهودة عنه قائلا: "لقد تعودتم مني على الصراحة، ولذلك بادرتكم بالقول: إننا نمر بمرحلة صعبة، ضمن ما يمر به العالم كله، إن المرحلة المقبلة ستكون أكثر صعوبة على المستوى العالمي لمواجهة هذا الانتشار السريع لهذه الجائحة".

هكذا كان الإعلان صريحا وصادقا أمام الأمة، ينبئ عن عزم هذه البلاد العزيزة على قلب كل مَن سكنها من مواطنين ومقيمين بقيادة خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، بعد التوكل على رب العزة والجلال؛ لمواجهة هذا الخطر العالمي على أعلى قدر ممكن، حيث إنه واحد من أكبر المخاطر التي واجهها العالم المعاصر، إن لم يكن أخطرها على الإطلاق طوال قرن مضى من الزمن، امتدت آثاره السلبية الوخيمة إلى الدول والمجتمعات كافة، وتحول خلال أشهر قليلة جدا، إلى أكبر مهدد للاستقرار العالمي بأشكاله كافة سياسيا ومجتمعيا واقتصاديا وماليا، ووصل انتشاره حتى تاريخ كتابة هذا المقال، إلى 188 بلدا حول العالم، وتجاوزت أعداد المصابين به من البشرية 310 آلاف مصاب، وتجاوزت أعداد المتوفين منه سقف 13 ألف ضحية، وتجاوز المتوسط العالمي لأعداد المصابين به سقف 40 مصابا لكل 1.0 مليون نسمة، مقارنة بما لم يتجاوز متوسط 25 مصابا لكل 1.0 مليون نسمة قبل عدة أيام، كدليل على سرعة انتشاره عالميا محققا متوسط نمو يومي للإصابات خلال الأسبوع الأخير تجاوز 18 في المائة.
كل تلك الأعداد قابلة للزيادة خلال الفترة الحرجة الراهنة، وتحمل مع زيادتها تلك ارتفاعا أكبر للتحديات الجسيمة التي تواجهها جميع دول  العالم ومجتمعاته. ووصل فعليا في عديد من الدول، إلى مستوى الجائحة؛ كإيطاليا والولايات المتحدة وإسبانيا وألمانيا وإيران وفرنسا، وتزداد مخاطر انتشار هذا الفيروس ساعة بعد ساعة أمام عجز المراكز الطبية العالمية عن إيجاد لقاح مضاد له حتى تاريخه، وأمام تأخر إجراءات الحد من انتشاره في أغلب الدول، في الوقت الذي نجحت فيه دول قليلة جدا؛ منها المملكة، في التعامل المبكر مع خطر انتشاره.
بالتركيز على المخاطر الاقتصادية والمالية التي يواجهها العالم أمام هذا الخطر الكبير، على الرغم من الصعوبة العملية لفصل تلك المخاطر عن غيرها من المخاطر الأخرى واسعة النطاق، جدير القول هنا: إن أمام هذا التمدد المتسارع لانتشار الفيروس الذي حصد في طريقه حتى اليوم أكثر من 20 تريليون دولار خسائر هائلة جاءت على حساب الاقتصادات والأسواق المالية العالمية، لم يفلح أي من المبادرات والإجراءات والتدابير التي اتخذها أغلب الحكومات وبنوكها المركزية، لا في تهدئة الهلع الذي عم أرجاء الأسواق العالمية متجاوزا جميع مستوياته التاريخية السابقة، ولا حتى في إيقاف نزيف الثقة الذي تهاوى لدى المستثمرين حول العالم، ولا يعلم تحت الظروف الراهنة التي غاب عن مؤشراتها وبياناتها أدنى درجات الثبات، التي يمكن بناء عليها تقدير حجم الأضرار التي لحقت بالاقتصادات والأسواق، والعمل من ثم على ترميم ما يمكن ترميمه، وهو ما لم يتوافر إلى تاريخه، ما زاد بدوره ضبابية واقع  الاقتصاد العالمي ومستقبله وأسواقه المالية كافة.
إلا أنه، كما أُعلن أخيرا من قِبل أكبر المصارف العالمية، دخول الاقتصادات الكبرى في ركود، وما سيترتب عليه من ارتفاع معدلات البطالة، وزيادة تعثر أعداد هائلة من الشركات والمصانع حول العالم أمام مصارفها الدائنة، وزيادة احتمال إفلاس تلك الشركات، إضافة إلى عديد من المصارف الدائنة، وما سينجم عنه من مزيد من الاضطرابات الشديدة على جانبي العرض والطلب، يمكن التأكيد أمام ما تقدم أن الاقتصاد العالمي قد دخل نفقا مظلما، لا يمكن الهروب من الاعتراف بحقيقته، ولا يمكن أيضا الجزم أن ما لحقه من أضرار حتى تاريخه هو نهاية المطاف؛ فالأمور كما هي قائمة إلى اليوم تنبئ بمزيد من تفاقم الأضرار على مستوى الاقتصاد العالمي، وهو ما أدركته المملكة جيدا، وبدأت الاستعداد المبكر لمخاطره عبر مبادراتها الأخيرة بأكثر من 120 مليار ريال؛ لمساندة القطاع الخاص، خاصة المنشآت الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الاقتصادية الأكثر تأثرا من تبعات هذا الوباء.
ليس الهدف هنا رسم صورة متشائمة، بقدر ما أن لغة الصراحة والأرقام هي اليوم المنطق المسيطر على أطروحات الكُتاب والمراقبين كافة، والأزمة العالمية كما كشفت عن مقدمات ما تحمله من مخاطر راهنة ومتوقعة مستقبلا حتى تاريخه، تجاوزت كثيرا عبارات التلطيف وتجاهل مخاطرها الوخيمة عالميا، وأن الأمر ينصب بأعلى الدرجات على الضرورة القصوى لرفع جهود الاستعداد والتأهب من قبل الدول كافة؛ للتعامل السريع مع تلك المخاطر بأقصى ما يمكن بذله لأجل تخفيف الصدمات الراهنة والمرتقبة على الاقتصادات والمجتمعات، وهو ما ستتفاوت نتائجه بكل تأكيد من بلد إلى آخر، وهو أيضا ما سيكون مستعصيا معه منع عدوى انتقاله اقتصاديا وماليا بين تلك الدول.
والتأكيد محليا في خاتمة هذا المقال؛ على الأهمية القصوى لتكاتف كبار كيانات القطاع الخاص مع الجهود التي بذلتها وتبذلها الدولة -أيدها الله- لأجل تخفيف الآثار السلبية في المجتمع أفرادا وأسرا، وأن تبادر تلك الكيانات بواجباتها الوطنية تجاه وطنها ومجتمعها، وتحمل ما عليها من مسؤوليات تجاههما خلال هذه المرحلة الصعبة والمؤقتة -بمشيئة الله-، ولو كان ذلك على حساب مصلحتها الخاصة التي لم ولن تصل أبدا إلى درجة  المصلحة العامة وأهميتها، وهو ما يجب استحضاره دائما وأبدا خلال هذه المرحلة من لدن ملاك تلك الكيانات.

إنشرها