FINANCIAL TIMES

عدوى أزمة الشركات تنتقل إلى النظام المصرفي

كان ذلك بعد مرور ساعات فقط مما قاله الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في خطاب ألقاه من المكتب البيضاوي الأسبوع الماضي، "هذه ليست أزمة مالية"، عندما بدأت الأسواق تتصرف كما لو كانت كذلك. تخلص المستثمرون من أصولهم، ما أدى إلى أسوأ يوم تداول منذ عام 1987.

تعطلت أسواق السندات، الأمر الذي يشكل ضغطا على المصارف، وتدخل الاحتياطي الفيدرالي مع مزيد من التمويل الطارئ لأسواق الاقتراض قصيرة الأجل (المعروفة باسم سوق إعادة الشراء أو أسواق الريبو)، وهي خطة تشير إلى أننا من المحتمل أن نرى سياسات التسهيل الكمي إلى ما لا نهاية - وما بعدها. إذن، متى سيتحول انهيار سوق الشركات الناجم عن فيروس كورونا رسميا إلى أزمة مالية كاملة؟ هذا سؤال يجب على كثير من المشاركين في السوق، والمصارف على وجه الخصوص، أن يسألوا أنفسهم.

إذا كان هناك أي جانب مضيء في صدمة السوق الحالية والركود الذي من المحتمل أن يتبع، هو أنها لم تكن أزمة مصرفية على غرار عام 2008 - من النوع الذي يتنقل مثل الفيروس بين المؤسسات المالية العالمية التي بالغت في الاعتماد على الروافع المالية وأدت إلى استنزافها. اللوائح التنظيمية في قانون دود فرانك واتفاقية "بازل 3"، التي أعقبت أزمة الرهن العقاري، تم تصميمهما للتخفيف من حدة هذه المخاطر. المصارف، المطالبة بالاحتفاظ بكميات أكبر من الأصول عالية الجودة، كانت تجري عمليات تداول أقل وتمنح مزيدا من القروض التقليدية. نجح ذلك، إلى حد ما. الكبح الناجم عن الفيروس على النشاط الاستهلاكي وأسواق العمل، الذي أدى بدوره إلى سحب الائتمان من قبل الشركات، هو ما سبب ذعر السوق هذه المرة، وليس التداول المحفوف بالمخاطر من جانب المصارف العالمية. اليوم، ليست المؤسسات المالية في وول ستريت، بل الشركات في مجموعة متنوعة من الصناعات هي التي تتعرض للضغوط، حيث تعني صدمات العرض والطلب المتزامنة أنها بحاجة إلى الاستفادة من حدود الائتمان لدفع فواتيرها. مع توقف الرحلات الجوية وتعطيل سلاسل التوريد، وتدمير الاقتصاد الاستهلاكي، تحاول الشركات تخزين الأموال النقدية، سواء كانت هناك حاجة آنية إليها أم لا. هناك سبب جعل شركة بوينج لتصنيع الطائرات تسحب حدها الائتماني بالكامل، الذي يبلغ 13.8 مليار دولار. وهناك سبب آخر جعل كثيرا من الشركات الكبرى تسحب حدودها الائتمانية في الوقت نفسه.

لكن بحسب تقرير حديث صادر عن "كريدي سويس"، "لدينا الآن نظام مصرفي عالمي، حيث يتعين على جميع المصارف الكبرى تمويل التدفقات الخارجة لمدة 30 يوما مسبقا" بمحافظ الأصول السائلة عالية الجودة. هذا هو أحد الأسباب المهمة التي حالت دون أن تتسبب ضغوط التمويل من الشركات في حدوث أزمة مصرفية فورية على النحو الذي فعلته أزمة الرهن العقاري في عام 2008. السبب الآخر أن الاحتياطي الفيدرالي يدعم النظام المصرفي من خلال عمليات الريبو الخاصة به، في الوقت الذي تبدل فيه المصارف سندات الخزانة للحصول على النقد. كل هذا يؤكد حقيقة أساسية – أن الجهات التنظيمية تميل عادة إلى خوض الحرب الأخيرة. الودائع الدولارية التي تسحبها الشركات في الوقت الحالي هي واحدة من أنواع التمويل عالية الجودة بالنسبة للمصارف، وهو النوع نفسه الذي تنص عليه قواعد "بازل 3" على ضرورة الحفاظ عليه. لم يتوقع أحد أن الوباء سيؤدي إلى سحوبات ائتمانية ضخمة من قبل كثير من الشركات في وقت واحد. خسارة هذه الودائع بسرعة يهدد شكل السيولة والامتثال للأنظمة من جانب المصارف نفسها.

ذلك قبل أن نشهد الزيادة المفاجئة في تخفيضات التصيف الائتماني للشركات وتخلفها عن السداد، اللذين من شأنهما أن يتسببا في مزيد من ضغوط التمويل. الحقيقة هي أن النظام المصرفي تم جره بالفعل إلى أزمة ائتمان الشركات التي توقع كثير من الناس أنها ستكون سبب التراجع الكبير التالي في السوق. من السهل جدا رؤية كيف يمكن أن تنتقل مشكلات الشركات الفردية - شركات التكنولوجيا، وشركات تجارة التجزئة، وشركات الطيران، وشركات التأمين - إلى المصارف الفردية ثم إلى الأنظمة المصرفية على مستوى الدول. في نهاية المطاف من الممكن أن تنتشر في جميع أنحاء النظام المالي العالمي، تاركة محافظي البنوك المركزية مرة أخرى ـ مقرض الملاذ الأخير ـ واقفين بيننا وأزمة مالية عالمية أخرى. هذا إلى حد كبير ما يحدث بالفعل، مع أننا لم نر حتى الآن المرحلة التالية من سقوط أحجار الدومينو – أي انهيار الاستثمار السلبي والخوارزمي، وتفكيك الصناديق المتداولة في البورصة، وبيع حتى الأصول التي تتسم بأعلى مستوى من الجودة من قبل الأشخاص المستميتين في جمع المال في خضم أزمة السيولة. كل هذا يعني أن البنوك المركزية ستضطر إلى الاستمرار في ضخ الأموال، وربما تزيد من تنوع الأصول التي تشتريها أو تدعمها. لا ينبغي أن نعتبر أن كل هذه الأموال السهلة من أجل العلاج. كما يقول زلتان بوزسار، المدير الإداري لـ"كريدي سويس": "سياسات التسهيل الكمي ليست لقاحا ضد هذا التفشي". حتى لو استطاع الاحتياطي الفيدرالي مواجهة الضغوط داخل النظام المصرفي، فإن هذا لا يعوض خسائر الإنفاق في القطاع الخاص. ما نحتاج إليه هو شيء أقرب إلى برنامج للتحفيز المالي في زمن الحرب، تستبدل فيه الحكومة خسارة الطلب على السلع الاستهلاكية، بطريقة مثالية، من خلال برنامج رئيسي للإنفاق على الصحة العامة. من المحتمل أن نبدأ من خلال تعزيز عدد أسرة المستشفيات المتاحة في الولايات المتحدة، وهو أمر مؤسف أنها متأخرة عن الدول المتقدمة الأخرى.

للأسف، كانت إشارة الحرب الوحيدة في خطاب ترمب السيئ هي أن الولايات المتحدة "تحارب فيروسا أجنبيا". فيروس "كوفيد-19" هو، بالطبع، وباء الفرص المتكافئة الذي لا يحابي أحدا. عدم ظهور الأعراض لا يعني أنك لست معديا. أزمة الشركات التي تعصف بالأسواق أصابت النظام المصرفي بالفعل. ولا تزال تتعين معرفة ما إذا كان حقن السيولة غير المحدود من البنك المركزي يكفي للحفاظ على صحة النظام خلال الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، في الوقت الذي تتكشف فيه أزمتا الوباء والسوق معا.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES