«كورونا» .. كل يغني على ليلاه

|

 اجتمع التجار وخرجوا بقائمة من الرسوم التي يطالبون بتجميدها مؤقتا حتى يتجاوزوا الأزمة، وفي الوقت نفسه، تحمس المغردون بهاشتاقات يوبخون بها الشركات لصمتها وعدم تبرعها للمجتمع. وفي أروقة الشركات تضاربت الآراء حول آليات العمل عن بعد، وهم بين المطرقة والسندان، تطبيقا للاحترازات وهربا من الخسارة. هناك من تحمس واقترح في بعض الدول باقة من الحوافز للقطاع الخاص دفعا للركود في هذا الوقت الحرج. وقفز في الوقت نفسه رواد العمل عن بعد منتشين بمهاراتهم وتقنياتهم المفيدة. ولم يفوت النصابين والمخادعين الحدث بأساليب جديدة تستغل الواقع الجديد وما يرافقه من هلع. وبالطبع بدأنا نسمع من شركات الأدوية أخبارا سارة، لكن كلها في المراحل الأخيرة من التجارب، وكثير منها مجرد دعاية وإثبات حضور لا أكثر، فطرق العلاجات الحاسمة طويلة بطبيعتها.

وفي خضم هذه الأحداث المربكة وحالة عدم اليقين التي تشوب كل شيء، هناك من ينظر إلى القضية من النواحي السياسية ويستخدمها لتقييم الواقع الانتخابي والسياسة العامة في الدول. ومن جانب آخر، استغل بعضهم الموضوع لفتح النقاش المثير للجدل حول النزاع الدائم بين العلم والإيمانيات ومتى سيخرجنا العلماء باكتشاف ينهي هذه الأزمة العالمية. الثابت الأساسي أن للصحة العامة أهمية قصوى تملك التأثير في كل شيء آخر، فيها اختبار للضمائر والأخلاق والمهارات والقدرات، وها نحن نشاهد اليوم كيف أن ملامح العالم كله تتغير استجابة لحالة طارئة ستزول بإذن الله، لكن سيكون لها تبعاتها.
عندما استمر الاقتصاد الأمريكي – وهو المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي - في النمو لأعوام عقب الأزمة المالية الأخيرة في 2008، كان التساؤل، متى سيحدث الركود؟ وأكاد أجزم أنه حتى لشهور غير بعيدة، لم يتوقع أحد أن يكون هذا الفيروس الدخيل هو من يغير خريطة الطيران في العالم ويصنع الطوابير أمام متاجر التموين ويغلق أماكن الترفيه ويصيب الأعمال بالشلل، ليس في منطقة نزاع سياسي ولا في منطقة زلازل وبراكين، وإنما في معظم دول الكرة الأرضية. وهذا تحديدا ما يؤكد لنا ضعف الإنسان في استشراف مستقبله وضعفه قبل ذلك في إدارة الواقع المفاجئ، حتى بعد أن يعرف مسبباته.
في مثل هذه الحالات نشاهد فائدة العمل الجماعي والقيم المشتركة ومرونة القيادة وكفاءتها وإعادة ترتيب الأولويات السريعة؛ العالم يعج بالأمثلة، مقارنة الدول بالدول، والشركات بالشركات، والمجتمعات بالمجتمعات. وليس هناك أفضل من الاستجابة السلوكية للخطط التي تضعها الحكومات النشطة. ولهذا، حتى الحكومات القوية التي تملك الإمكانات المادية والمعرفية ستجدها تطلب من شعوبها الاستجابة لمقتضيات هذا الأمر، من تفاعل وعزلة وصبر. ولا أعتقد بأن الروتين العالمي اليومي قد تغير بهذه السرعة في العصر الحديث كما تغير اليوم. وهذا اختبار واضح للمرونة السلوكية والثقافة العامة، والحمد لله يبدو أننا في موقع ممتاز مقارنة بغيرنا.
لا يتوج المرونة السلوكية إلا الانضباط السلوكي، فترة مؤقتة، وسلوكيات محددة نقوم بها أو نبتعد عنها، وتتحقق النتيجة التي نسعى إليها بإذن الله. الخروج عن المسار المنضبط للسلوكيات الجديدة يعني المخاطرة بكل شيء. مما لا يفهمه بعض قادة الأعمال والأفراد كذلك، أن التعامل مع المخاطر المتكررة الحدوث يختلف عن المخاطر النادرة الحدوث، لأن الأولى متشابهة ويسهل توقعها ولدى معظم الممارسين خبرة في التعامل معها. لكن الأخيرة، دائما ما يصعب توقعها ولا يسهل التعاطي معها. وتصبح المشكلة أصعب بكثير إذا كانت المخاطر النادرة الحدوث عظيمة الأثر، مثل مشكلة وباء "كورونا".
وعودة على الشركات، تجدر الإشارة إلى أن عالم الأعمال ليس قصة واحدة. وهناك من يجف نقديا في حالة عدم البيع في أسبوع، وهناك من يستطيع البقاء لأشهر. وهناك من يستطيع أن يجد البديل التشغيلي لاستمرار أعماله في أيام، ويعمل كما كان وربما بشكل أفضل، وهناك من يصاب بالشلل الكامل ولا يملك إلا الانتظار وسداد التكاليف الغارقة التي لا يستطيع إيقافها، والأخير يخطو بكل انتظار خطوة نحو طريق الخسارة والإفلاس. ولهذا الأمر تبعات كثيرة، سيحاول مهندسو الاقتصاد والمالية تخفيف آثارها، وسيسهم الانضباط السلوكي في تقليص حجمها. ودوما وأبدا، كما قال الله عز وجل: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".

إنشرها