التصدي لآثار الأزمة العالمية الراهنة محليا ودوليا

|

على أنه من المبكر جدا؛ تقدير الآثار والانعكاسات المحتملة في الاقتصاد الوطني، التي يمكن أن تنشأ عن الأوضاع الراهنة للاقتصاد العالمي والأسواق العالمية، تحت ضغوط الأزمة العالمية التي تمر بها جميع دول العالم، نتيجة تفشي وانتشار فيروس كورونا "كوفيد ــ 19" في 162 دولة حتى تاريخه، ووصل إجمالي أعداد المصابين به إلى نحو 185.5 ألف مصاب، ووفاة أكثر من 7.3 ألف مريض؛ ما أدى إلى دخول الأسواق المالية العالمية في موجة هبوط جماعية، خسرت معها خلال فترة وجيزة أعلى من ثلث إلى نصف قيمتها السوقية، بأرقام راوحت بين 15 و18 تريليون دولار.


وتكمن صعوبة تقدير تلك الآثار العكسية في جميع الاقتصادات حول العالم، في الوقت الذي ما زالت هذه الأزمة الاقتصادية العالمية في بدايتها، ولا يعلم حتى تاريخه متى يمكن انجلاء مخاطرها لعدم التوصل إلى لقاح طبي للفيروس، والمؤكد أنه كلما تأخر الوصول إلى لقاح طبي، ووجدت المجتمعات زيادة مطردة في أغلب الدول المنكوبة بهذا الفيروس، وتزامن كل ذلك مع ارتفاع وتائر وإجراءات مقاومته والحد من انتشاره عبر العزل وتوقف نشاطات عديد من القطاعات الإنتاجية، جاءت الآثار العكسية المحتملة أشد وطأة في الاقتصادات والأسواق العالمية على حد سواء.


وبالعودة سريعا، وبصورة مختصرة جدا، إلى الآثار التي تركتها الأزمة المالية العالمية 2008 في الاقتصاد الوطني، وتمت مواجهتها سريعا على مستوى دول العالم بقيادة "مجموعة العشرين"، وقامت المملكة آنذاك بضخ أكثر من 400 مليار دولار في الاقتصاد، إلا أن النمو الحقيقي للاقتصاد سجل تراجعا بنحو 2.1 في المائة، وتباطأ نمو القطاع الخاص من 9.5 في المائة إلى أقل من 5.8 في المائة، وسجل النشاط الصناعي انخفاضا بنحو 7.0 في المائة، وانخفض إجمالي الإيرادات بنسبة 53.7 في المائة "انخفاض الإيرادات النفطية بنسبة 55.8 في المائة"، وانخفضت الصادرات بنسبة 38.7 في المائة "انخفاض الصادرات النفطية بنسبة 42 في المائة"، وانخفضت أيضا الواردات بنسبة 17 في المائة، وتراجعت على أثره نسبة الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي من 25.5 في المائة إلى 4.9 في المائة، وانخفضت كذلك نسبة الميزان التجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي من 38.2 في المائة إلى 22.5 في المائة، وسجلت الأصول الاحتياطية انخفاضا سنويا بلغت نسبته 7.4 في المائة، وخسرت سوق الأسهم المحلية أكثر من نصف قيمتها خلال تلك الفترة.


على الرغم مما قطعه الاقتصاد الوطني من أشواط إصلاحية وجذرية طوال الأعوام الأربعة الماضية، استهدفت تعزيز تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وتخفيف الاعتماد المفرط على النفط، ومعالجة كثير من التشوهات الهيكلية التي طالما عاناها الاقتصاد الوطني طوال عقود ماضية، التي أسهم وجودها حتى تاريخه في ترسيخ أقدام الاقتصاد الوطني في مواجهة عديد من التحديات الاقتصادية خارجيا ومحليا، إلا أنها ولكونها ما زالت في بداية طريق طويل من العمل المنتظر إتمامه بحلول 2030، لن تكون كافية للنأي بمقدرات الاقتصاد الوطني ونشاطاته المحلية عن التأثر بالرياح العاتية للأزمة الاقتصادية الراهنة، وهو الأمر ذاته الذي يشمل جميع الاقتصادات والأسواق حول العالم، المتقدم والعملاق منها ومن هو ما زال في طور نموه.


إنما من المتوقع أن تتأثر الإيرادات والمصروفات الحكومية على حد سواء بتداعيات الأزمة الراهنة. والأمر الأهم هنا خلال الفترة الراهنة، ينصب على الإجراءات والتدابير المضادة التي تم اتخاذها حتى تاريخه، وتلك التي من المتوقع اتخاذها من قبل الدولة ــ أيدها الله ــ ممثلة في أجهزتها الحكومية المختلفة، التي أصبحت تتوافر لديها القدرة العالية للتصدي مبكرا لأي آثار عكسية محتملة، ولعل ما تم حتى تاريخه في مواجهة انتشار فيروس كورونا "كوفيد ــ 19" من نجاح لافت، حظي بأعلى معدلات النجاح والإشادة محليا وخارجيا، ومكّن من الحد كثيرا من انتشار الفيروس - بحمد الله وفضل منه. كل هذا وغيره من الإجراءات والتدابير التي يتم اتخاذها تباعا بالتزامن مع امتداد عمر هذه الأزمة العالمية، يؤكد ارتفاع درجات الاستعداد والتأهب لدى المملكة، والتعامل مع أي مستجدات بسرعة واقتدار تستهدف تخفيف أي آثار عكسية محتملة، والوصول بتلك الآثار العكسية المحتملة إلى أدنى درجاتها وتأثيرها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي محليا.


بل لم تقف المملكة حتى عند هذا الحد؛ إذ مدت يد العون والمساعدة إلى المجتمع الدولي، وأعلنت استعدادها بحجم وزنها الدولي في الاقتصاد العالمي، للمساهمة ضمن جهود المجتمع الدولي إزاء التصدي لانتشار هذا الفيروس، والوصول بتلك الجهود المشتركة إلى أقصى قوتها، لتخفيف الآثار العكسية لانتشار الفيروس على مختلف الاقتصادات حول العالم، وهو امتداد للدور السعودي طوال عقود مضت، وليس وليد المرحلة الراهنة كما هو معلوم لدى جميع أطراف العالم اليوم، ويؤمل - بتوفيق الله - أن يكلل كل ذلك بالنجاح والتحقق، وأن يتغلب العالم على هذه المخاطر الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي نشأت عن انتشار هذا الفيروس، وأن يخرج العالم منها أقوى وأكثر اتحادا من ذي قبل، وبما يسهم في رقي البشرية وتقدمها.

إنشرها