الدراما النفطية

|

ذكر أحد مسؤولي شركة صينية، أن هناك أربعة لاعبين في النفط يجمعهم عشرة ملايين برميل، ثلاثة منتجين "المملكة وروسيا والنفط الصخري/ أمريكا" ومستهلك واحد (الصين). تكاثر المنتجين لمصلحة المستهلكين، ولذلك حين عطست الصين بـ"كورونا" تأثرت سوق النفط التي لم تكن في أحسن حالاتها. حين كان الطلب نحو 100 مليون برميل كان التعايش ممكنا، تمركز اللاعبين الكبار مختلف لأسباب موضوعية، نقص الطلب الحاد بنحو 3.5 مليون برميل في الأشهر الأولى من 2020 سبق اجتماع "أوبك"، لذلك الاجتماع مهيئ الخلاف مع روسيا، التي لم يكن تعاونها مع "أوبك" في تطابق مقبول على مدى عدة اجتماعات. جاءت هذه التطورات على خلفية سوق نفط كانت بطيئة التكيف مع تبعات الأزمة المالية العالمية، وتطورات النفط الصخري التي غيرت المعادلة. انخفاض النمو الاقتصادي الصيني قلص الطلب ليس في الصين وحدها، لكن في العالم لأن الترابط الاقتصادي مع الصين صناعيا حتى سياحيا أصبح مؤثرا. حين تغيرت العلاقة بين العرض والطلب الجميع بدأ يراجع مركزه من منطلقات مختلفة موضوعيا.
المملكة لديها سياسة لم تتغير، فهي تريد سوقا تسمح بسعر بين:
أولا: مصلحة المصدر "عوائد مقبولة وعلاقة النفط الذي تحت الأرض والبدائل المنافسة، والشق الآخر من المصلحة في مدى اعتماد المملكة على النفط مصدرا رئيسا لتمويل الميزانية، ولما للإدارة المالية العامة من تبعات على إدارة الاقتصاد الوطني". ثانيا: حماية الاقتصاد العالمي كي يستمر الطلب بوتيرة يمكن التنبؤ بها ومسايرتها.
طبعا هناك وعي بالإرهاصات الدولية لكن اعتبارات المملكة جوهرية تقودها المصلحة الوطنية الاقتصادية. روسيا في كوكب آخر، هناك طبعا بعد اقتصادي لكن لعل أهم منطلق من الناحية الروسية الأبعاد الجيواستراتيجة، فهي الأقرب للصين جغرافيا، وهناك درجة من التكامل خاصة في الغاز لكن أيضا في النفط، علاقة تاريخية غير مريحة لأن الصين صاعدة وروسيا لم تحقق تقدما اقتصاديا يذكر، لكن يؤثر فيها التفاعل مع علاقة كليهما مع أمريكا. تصرفات أمريكا نحوهما مختلفة إذ ترى في الصين منافسا اقتصاديا في الأساس بتبعات جيواستراتيجية، بينما ترى في روسيا مشاغبا جيواستراتيجيا تحت قائد طموح واقتصاد نفطي. هذا الانقسام الروسي في التفكير والتفاعل يشرح التصرف الروسي. انسحاب روسيا من أي التزام لتقليل العرض لا يمكن أن يكون اقتصاديا إلا في حالة واحدة، إذا تصورت روسيا أن "أوبك" ستتحمل تبعات توازن السوق، وهذا ما لم تقبله "أوبك" خاصة المملكة، لأن الحصة السوقية ستنخفض بسعر ربما لن يكون مجزئا لتعويض العوائد المالية. انسحاب روسيا محسوب من ناحية اقتصادية، للحفاظ على السوق الصينية من الغاز ومن النفط الصخري الأمريكي، وبالتالي رد الثأر لأمريكا على العقوبات الاقتصادية خاصة الحد من التوسع للتصدير لأوروبا. النفط الصخري وأمريكا لعبة أخرى تحكمها في الأساس ديناميكية اقتصادات النفط الصخري، لكنها أيضا جعلت أمريكا في موقف جيواستراتيجي مختلف. أصبح النفط الصخري هو المورد الهامشي - marginal supplier لظروف موضوعية تخص ديناميكية اقتصاداته والبيئة المالية والتشريعية الخاصة في أمريكا. "أوبك" وربما روسيا في حالة تفاعل مع مورد هامشي مرن بطبيعته، وربما يخدم الصناعة النفطية وجود أمريكي لمركزية أمريكا خاصة في النواحي البيئية. في الأخير تفاعل اللاعبين الكبار تصديريا سيحكمه مدى قوة الطلب كسقف لأعلى سعر ممكن وأرضية الحاجة إلى التعاون لسلعة ما زالت مركزية في الطاقة لكن نمو الطلب عليها ليس عاليا.
في المدى القصير لا أحد يستطيع التنبؤ بالسعر أو تصرفات اللاعبين الكبار، إذ إن هذا محكوم بنموذج تنظير -Game Theory- لعبة المباراة، فكل لاعب يدرس تصرفات اللاعب الآخر، خاصة أنه ليست هناك أسرار كثيرة في الحالة المالية وقراءة النزعات المصلحية والتنافس الجيواستراتجي. في المدى المتوسط لا بد للمصلحة من إعادة تكوين إجماع جديد، خاصة بعدما أظهرت المملكة شكيمة وتصورا متكاملا تحت قيادة وزير الطاقة، إذ إن الموقف السعودي تحكمه النظرة الاقتصادية، بينما روسيا تميل لمكانة جيواستراتيجية، بينما النفط الصخري في حالة اقتصادية متحركة تحت إطار حماية جيواستراتيجية، كذلك تصبح الاختلافات في تكلفة الإنتاج أكثر أهمية لإعادة الحسابات تحت السعر الجديد من ناحية والقدرة على تحمل تبعات عدم التعاون. انخفاض الاسعار سيؤثر في الاستثمارات الرأسمالية في الاستكشاف والإنتاج. الرهان الحقيقي للمملكة يتمخض في تحقيق أهداف "رؤية المملكة" الجامعة في ظل قيادة ولي العهد للمسيرة التنموية والاقتصادية، وفي المدى المتوسط في إعادة "تحجيم" الاقتصاد ليتصالح المجتمع مع عوامل الإنتاج الفعلية بعيدا عن غطاء مالي متقلب.

إنشرها