«كورونا» والنفط وذعر الأسواق المالية

|
كاتب ومستشار اقتصادي

أسبوع عاصف مر على العالم خلال الأيام القليلة الماضية، "كورونا" ما زال يواصل تسجيل الأرقام القياسية في عدد إصاباته وتنقلاته السريعة عبر الحدود والقارات، واجتماع "أوبك+" خرج بلا اتفاق على الحصص، لتنخفض أسعار النفط وتفقد ما يصل إلى ربع قيمتها في يوم واحد، والأسواق المالية حول العالم اصطبغت باللون الأحمر، ولم يكن "تاسي" استثناء فقد سبق الجميع بنزول كبير خلال الأحد الماضي، وكذلك الإثنين قبل أن يعود للون الأخضر بداية من تداولات الثلاثاء.بالتأكيد، "كورونا" هو الخبر القديم الجديد، فـ"الفيروس" الغامض الذي يضرب يمنة ويسرة بلا هوادة أثر بشكل كبير في الاقتصاد العالمي، ورغم أن العالم عاصر خلال الأعوام الماضية أمراضا وفيروسات عديدة مثل، "سارس" والجمرة الخبيثة وجنون البقر وإنفلونزا الخنازير وإيبولا والوادي المتصدع وغيرها؛ إلا أنها كلها مجتمعة لم تفعل ما فعله فيروس "كورونا" في سرعة انتشاره وانتقاله عبر قارات العالم دون استثناء لأحد؛ كما لم ينل أي من الفيروسات السابقة ولو قليلا مما يناله "كورونا" حاليا من متابعة وتغطيات إعلامية بالساعة والدقيقة.

والسبب في رأيي هو أن فيروس "كورونا" انطلق من الصين، ولأن الصين هي محرك الاقتصاد العالمي فالكل سواء كان مصدرا للصين أو مستوردا منها سيناله تأثير سيئ بسبب "كورونا"، ولو بدأ انتشاره وتأثيره في بلد آخر غير الصين لمر مرور الكرام كما سابقاته من الفيروسات دون أن ينال هذا الحشد الإعلامي غير المسبوق.
ورغم أنه لا يمكن الحكم على حجم تأثير "كورونا" السيئ في الاقتصاد العالمي بالأرقام حاليا، إلا أن أنشطة الطيران والسفر والفنادق وقطاع التجزئة ستكون الأسوأ مقارنة بغيرها من الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وبالنسبة لنا فإن تأثير "كورونا" يكاد يقتصر على تأثيره السلبي في أسعار النفط والبتروكيماويات فقط.
فيما يتعلق بأسعار النفط، فلا شك أنه خبر غير سعيد أن ينتهي اجتماع "أوبك+" دون اتفاق، بسبب رفض روسيا تخفيض حصتها في السوق، وهي الخطوة التي واجهتها المملكة بإعلان فتح زيادة إنتاجها من النفط لتنتج بالطاقة القصوى نحو 13 مليون برميل يوميا، ولتعلن تخفيضا على الأسعار كذلك. وعدم الاتفاق مع أثر "كورونا" السيئ في النفط أديا مجتمعين إلى انخفاض أسعاره بشكل كبير جاوز 25 في المائة فقط في يوم واحد، ونزلت الأسعار من نحو 60 دولارا للبرميل إلى ما يزيد قليلا على 35 دولارا للبرميل، وهي خسارة كبيرة للدول المنتجة ولا شك.
وأما فيما يتعلق بتسابق مؤشرات الأسواق المالية للهبوط خصوصا مع بداية الأسبوع، فرأيي أن ما حدث لا يعدو كونه ذعر الأسواق Market Panic المعروف، وإلا فإن انخفاض النفط يعني ضمن ما يعني لشركات البزنس في الغرب انخفاضا في التكاليف، ويجب أن تتقافز بسببه المؤشرات لأعلى وليس لأسفل باستثناء بسيط للشركات النفطية فقط. وأما انخفاض سوقنا خلال اليومين الأولين من تداول الأسبوع فهو أمر متوقع خصوصا مع عدم توصل "أوبك+" لاتفاق وانخفاض النفط بشكل كبير.
الخلاصة، إن العالم يمر هذه الأيام بظروف عصيبة سببها فيروس "كورونا" بسرعة انتشاره وعبوره الحدود، حتى صار الشغل الشاغل للدول ولوسائل الإعلام، كما أن عدم اتفاق "أوبك+" على التخفيض كان عاملا آخر للانخفاض الحاد لأسعار النفط، ويبقى أن نراقب ونتابع أين تتجه وتستقر الأسعار خلال الأسابيع المقبلة؟، أما ما حصل في الأسواق المالية فلا يعدو أن يكون ذعر الأسواق المعهود وستعود الأمور والتداولات إلى طبيعتها في أقرب وقت.

إنشرها