ماذا تعني اضطرابات الأسواق المالية؟

|

لا يمكن أن تمر مرور الكرام الإشارات المضطربة التي تسارعت الأسواق المالية حول العالم في بثها من فترة إلى فترة طوال العامين الماضيين، وخلال مراحل زمنية متقاربة، على الرغم من سرعة إغلاقها في مراحل زمنية تالية، كان آخرها وأقواها ما شهدته تلك الأسواق خلال شباط (فبراير)، آذار (مارس)، حيث خسرت خلال أقل من شهر ما بين خمس وثلث قيمتها، وامتدت الخسائر الفادحة خلال الأسبوع الجاري إلى سوق النفط، التي سجلت انخفاضات حادة وصلت إلى 44 في المائة، وكان لافتا أن نصف تلك الخسائر حدث خلال يوم واحد فقط كان الأعلى خسارة منذ عام 1991، عدا ما شهدته ولا تزال أسعار الفائدة من تقلبات حادة منذ أيار (مايو) 2019 الماضي، ودائما ما تأتي الحلول بضخ مزيد من الديون لدعم استقرارها وعودتها إلى الارتفاع مجددا، في الوقت ذاته الذي يتباطأ فيه نمو الاقتصاد العالمي، ويختفي تحت الأجواء الاحتفالية بعودة الأسواق إلى الارتفاع عديد من الأزمات والتحديات كارتفاع حجم الديون ومعدلات البطالة وتراجع التجارة العالمية وزيادة عجز المالية العامة وارتفاع الديون على الحكومات والشركات وأفراد المجتمعات، وغيرها من التحديات الجسيمة التي إن أخفتها ارتفاعات الأسواق المالية بفضل استمرار سياسات التيسير الكمي، إلا أنها لا تزال مستمرة في التمدد والاتساع وإن لم تلفت الانتباه العالمي المشغول بعودة ارتفاع أسواقه المالية.


عودة إلى الوراء قبل 2008 الذي شهد في منتصف أيلول (سبتمبر) انفجار أزمته المالية العالمية، التي يذهب كثيرون إلى اعتقاد أنها بدأت فقط من انخفاض أسهم Lehman Brothers بأكثر من 45 في المائة؛ ما اضطره أمام انكشافه الفادح تجاه تلك القروض الرديئة إلى طلب الحماية بإعلان إفلاسه طبقا للمادة الـ11 من قانون الإفلاس الأمريكي.

في حين أن مقدمات القصة بدأت نواتها الأولى في شباط (فبراير) 2007 مع إعلان مجموعة HSBC البريطانية خسائر هائلة في السوق الأمريكية، نتيجة اعترافها بخسائر فادحة في محفظتها المتعلقة بالقروض العقارية الثانوية، المرتبطة بالرهون منخفضة الملاءة sub-prime mortgages، وهي القروض المقدمة من المؤسسات المالية لعملاء يعانون وضعا ائتمانيا سيئا، أو أن مستوى دخلهم منخفض مقابل سعر فائدة مرتفع، وتدخل آنذاك على الفور البنك المركزي الأوروبي بضخ نحو 170 مليار يورو في النظام المصرفي لامتصاص تلك الصدمة، والحد من تأثيراتها السلبية المحتملة في الأسواق آنذاك، وظن الجميع أن الأزمة تم وأدها في مهدها.


ولم تمر أشهر عدة حتى أعلن بنك BNP Paribas الفرنسي في التاسع من آب (أغسطس) 2007 قراره بتجميد ثلاثة من صناديقه الاستثمارية بسبب التراجع الحاد في سيولتها، وذلك نتيجة للخسائر الفادحة التي لحقت بتلك الصناديق في سوق السندات المضمونة بعقارات في الولايات المتحدة، التي نشأت عن أزمة القروض الثانوية، ثم توالت بعدها نيران الأزمة المالية المقبلة تستشري بصورة خافتة، غير أنها آخذة في التصاعد لتأخذ مستوى أعلى من الانكشاف على أعقاب تورط بنك Northern rock البريطاني في الاتفاق مع البائد Lehman Brothers والدخول في سوق القروض العقارية الثانوية، دافعا ثمن سوء تقديره للمخاطر المرتفعة المتعلقة بتلك السوق، ألحقت به خسائر فادحة اضطر معها في منتصف أيلول (سبتمبر) 2007 إلى اللجوء لبنك إنجلترا المركزي وطلب المساعدة والدعم منه، أدى كل ذلك إلى انتشار حالة من الهلع والخوف بين عملاء البنك تدافعوا على أثرها لسحب ودائعهم لديه، وتفاقمت لاحقا أزمة البنك إلى أن اضطرت الحكومة البريطانية إلى شراء بنك Northern rock وتأميمه في شباط (فبراير) 2008.


واصلت الأزمة امتداداتها لاحقا بصورة أكثر اتساعا وشمولية وخطرا؛ جاء صوتها هذه المرة من أروقة القطاع المالي في الولايات المتحدة في منتصف آذار (مارس) 2008 بعد دخول بنك BEAR STEARNS الأمريكي في أزمة سيولة حادة، انتهت صفقة إنقاذه بعد تدخل الحكومة الأمريكية بضمان 30 مليار دولار من ديون البنك المعدومة، وصدر خلالها تحذير صندوق النقد الدولي بأن الأزمة المالية آنذاك قد تكبد الأسواق خسائر تفوق التريليون دولار، ولم يمض أكثر من أسبوع حتى أعلن جايمس لوكارت؛ مدير وكالة التمويل العقاري الفيدرالي وضع شركتي Fannie Mae وFreddie Mac تحت الحماية، في أكبر عملية تدخل من قبل الحكومة في السوق المالية منذ عقود عدة، اعتمدت الحكومة في خطتها لإنقاذ الشركتين على أموال دافعي الضرائب، منعا لانهيار سوق القروض العقارية في الولايات المتحدة. أدت هذه الخطوة فيما بعد إلى انخفاض أسهم البنك الأمريكي العملاق Lehman Brothers بأكثر من 45 في المائة؛ ما اضطره أمام انكشافه الفادح تجاه تلك القروض الرديئة إلى طلب الحماية بإعلان إفلاسه طبقا للمادة الـ11 من قانون الإفلاس الأمريكي في منتصف أيلول (سبتمبر) 2008، حيث وصلت خسائره المصرفية إلى 613 مليار دولار، ونحو 155 مليار دولار أخرى كخسائر استثمارية في السندات. فيما كان Merrill Lynch أقل تضررا حيث لم يسقط في أزمة الإفلاس بعد أن قام Bank of America بشرائه بمبلغ 50 مليار دولار، بعد أن تلقى هو الآخر دعما ضخما من الحكومة الأمريكية. وتصاعدت من ثم سخونة الأزمة المالية العالمية باضطرار «الاحتياطي الفيدرالي» الأمريكي إلى تقديم تسهيلات بلغت 85 مليار دولار، ارتفعت لاحقا إلى 180 مليار دولار إلى شركة AIG مقابل امتلاكه 80 في المائة من أسهمها التي كانت قيمتها الرأسمالية قبيل اشتعال فتيل الأزمة المالية تفوق 440 مليار دولار، كان لزاما عليه إنقاذها لارتباطها بأكثر من 30 مليون عميل في الولايات المتحدة، وتوزع أنشطتها على 130 دولة، وتقديمها لخدمات التأمين لنحو 100 ألف شركة.


وبالعودة إلى الواقع خلال الفترة الراهنة، والنظر إلى ما شهدته وتشهده الأسواق العالمية من تقلبات حادة طوال آخر عامين تحديدا، والحذر من تكرار أخطاء الركون الدائم إلى الحلول المرحلية بإطفاء تلك التقلبات الحادة، دون الوصول إلى وضع حلول حقيقية لما يتحرك تحت طاولة المشهد العام للأسواق وهي تعود إلى الارتفاع مجددا، وهو الأمر الذي لا يبدو أنه متوافر لأي من الحكومات وبنوكها المركزية إلا قامت باتخاذها فورا، والاكتفاء بما هو متاح أمامها من حلول آنية، وترقب ما ستسفر عنه قادم الأيام. الصورة التي لا تبتعد عما كتبه KENNETH ROGOFF في مقاله الأخير That 1970s Feeling: لقد ارتفعت احتمالات حدوث ركود عالمي بشكل كبير، يتجاوز كثيرا ما تعترف به التوقعات التقليدية للمستثمرين والمؤسسات الدولية.

وينبغي لواضعي السياسات الاعتراف بالحاجة إلى معالجة الصدمة الهائلة التي أصابت سلاسل الإمداد العالمية، إضافة إلى تخفيضات أسعار الفائدة والتحفيز المالي، وقد تأتي الإغاثة العاجلة من الولايات المتحدة بتقليصها الرسوم الجمركية الناجمة عن الحرب الاقتصادية بدرجة كبيرة، وبهذا تسهم في تهدئة الأسواق، وتظهر فن إدارة الدولة في تعاملها مع الصين، وتوفر أموال المستهلكين الأمريكيين، فالركود العالمي مناسبة للتعاون لا الانعزال. وللحديث بقية -بإذن الله-.

إنشرها