الاستثمار في زمن الـ «كورونا»

|

شركات سعودية كثيرة تستفيد من الحركة التجارية الكبيرة مع الصين، حيث إن الواردات السعودية من منتجات صينية تعني وجود حاويات كثيرة في الميناء فارغة بعد أن تم تنزيل حمولتها؛ ما يسمح بالاستفادة من وجودها وبدل عودتها فارغة فتتم تعبئتها بمنتجات سعودية والعودة إلى الصين أو غيرها بأسعار تكون أقل مما لو لم تكن موجودة في الميناء، هذه الصورة تغيرت في الفترة الأخيرة بعد فيروس كورونا.


منذ أن تم إعلان أول ظهور لفيروس كورونا في مدينة ووهان الصينية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وتبعات هذا المرض لم تنته على العالم، بدأت بتعطيل جزئي للحركة التجارية، انخفاض النشاط الاقتصادي، توقف كبير للقطاع الصناعي داخل الصين؛ ما أثر في سلاسل الإمداد العالمية التي تشكل الصين المصدر الأكبر من بينها، حيث تشير التقديرات إلى أن صادرات الصين من المواد المتوسطة والسلع تقدر بـ11 في المائة وهو رقم كبير جدا، ولعل أبرز القطاعات المتأثرة هي القطاعات الإلكترونية والكهربائية حيث تمثل الصين 30 في المائة من توريد هذا القطاع، وما أعلنته شركة أبل حول عدم تمكنها من تحقيق مستهدفاتها بالبيع في الربع الأول أفضل شاهد لهذا الأثر، يضاف إلى ذلك قرار «الاحتياطي الفيدرالي» بخفض الفائدة بمقدار 0.5 في المائة؛ ما أقلق الأسواق حول توقعاتهم لنمو الاقتصاد الأمريكي وهذا القرار سيؤثر بشكل مباشر في أرباح المصارف التي ستنخفض تبعا لهذا القرار.


توافقت هذه الأحداث مع اجتماع أعضاء "أوبك بلس" لمناقشة الاتفاق حول تخفيض الإنتاج الذي كانت السعودية ومعها بقية منظمة «أوبك» يهدفون إلى إجراء مزيد من الخفض بعد تداعيات فيروس كورونا، لكن روسيا كان لها رأي آخر حيث رفضت إجراء أي تخفيض؛ بل لم تتفق على تمديد الخفض الحالي، الذي كان مفاجأة لكثير من المتابعين أدت إلى مفاجأة أكثر حدة من قبل السعودية التي أعلنت أنها ستقوم برفع الإنتاج مع إعطاء خصم لعملائها، بهذه الأحداث السريعة والمفاجأة انهارت أسعار النفط بشكل حاد وعمقت خسائرها التي بدأت من بداية أزمة "كورونا"؛ لتصل كحد أقصى إلى 52 في المائة من أسعار الربع الرابع، هذا الانهيار أحدث هزة عنيفة في الأسواق المرعوبة وفي حالة من عدم اليقين؛ ما فاقم الخسائر لتفقد المؤشرات الأمريكية -على سبيل المثال- ما يقارب 20 في المائة من قيمتها.


انهيار أسعار النفط ما هو إلا حلقة أو بداية لسلسلة من التداعيات التي ستحدث بعد انهيار أسعاره، منها الإيجابي مثل تأثيره في شركات النفط الصخري الأمريكية التي هي محملة بالديون ولن تستطيع الاستمرار بهذه الأسعار المنخفضة؛ ما يؤدى إلى إفلاسها على عكس الأزمات السابقة، لكن يجب الانتباه إلى أن ذلك قد يؤدي إلى انتقال المشكلة إلى القطاع المصرفي الذي سيتأثر من تخلف الشركات النفطية "سواء النفط الصخري أو شركات النفط التقليدي كذلك" عن السداد أو من إفلاسها، ومنها السلبي مثل انخفاض الإيرادات النفطية حتى مع زيادة الإنتاج حيث الانخفاض بالسعر (50 في المائة نزولا) أكبر من نسبة رفع الإنتاج (بحدود 20 في المائة)، وهذا الهبوط سيرفع العجز الحكومي، حيث إن السعر الذي بنيت عليه الموازنة يقدر في حدود 55 إلى 56 دولارا وعند نزول السعر من 40 إلى 50 في المائة ومع زيادة الإنتاج 20 في المائة؛ قد يصل صافي الانخفاض في الإيرادات النفطية إلى 20 في المائة، كل هذا السيناريو على فرضية استمرار الوضع وعدم التوصل إلى اتفاق يعزز السوق النفطية، كذلك من ناحية أخرى فإن انخفاض النفط سينعش الاستثمار الصناعي حيث تتوافر بيئة مناسبة من المواد الأولية والطاقة الرخيصة وكذلك تكلفة منخفضة جدا للتمويل؛ ما يعزز انتعاش النفط بعد فترة.


سوق الأسهم السعودية تأثرت بشدة من جراء أزمة "كورونا" ثم من انهيار أسعار النفط، فقد فقدت من قيمتها في كانون الثاني (يناير) الماضي عند مستوى 8450 ما يقارب 2250 نقطة أو ما يعادل 26 في المائة كأقصى حد من الانخفاض، هذا النزول أدى إلى خفض مكرر ربحية السوق إلى ما يقارب 16.5 مرة ويعد ضمن المتوسط إلى المنخفض في مدى مكررات السوق التاريخية، وكشف معها عديدا من الفرص في السوق، خصوصا للشركات القيادية والدفاعية التي تأثرت أسعارها بهذا النزول، من المهم على المستثمر أن يعيد تقييم شركات السوق حيث يأخذ في الحسبان احتساب كل المتغيرات الجديدة والتوقعات لمدى تأثر الأرباح للشركات مع أحداث النفط، ومن الشركات ما يقدم فرصة حقيقية للاستثمار في أسهمها الآن.


إن مع حالة الهلع التي أصابت الأسواق وموجة البيع التي لم تفرق كثيرا بين شركة جيدة وسيئة، وبالتالي كشفت فرصا نادرة لاقتناصها، فإن الأسواق المالية معرضة أكثر من غيرها للتأثرات السريعة للأحداث الاقتصادية وذلك بسبب سهولة تداولها والعرض الفوري لأسعارها وهذا يجعلها متقلبة. فحسب إحصائية نشرتها «أرقام» فقد تعرضت السوق السعودية لعدد 19 جلسة حدث فيها انخفاض حاد "من 5 في المائة وأكثر في الجلسة الواحدة" منذ عام 2008. كل هذه الجلسات كشفت فرصا للاستثمار والمضاربة؛ حيث عادت السوق في أغلبها (وليس في الجميع) إلى مستوياتها السابقة أو تعدتها.

بكل تأكيد لم يستفد الجميع من هذه التقلبات؛ بل كثيرون خسروا منها، وهذا يؤكد أن التعامل مع السوق ليس سهلا، كما يعتقد البعض؛ بل يتطلب مهارات نفسية للتحكم في النفس مع انتشار الخوف والهلع، ومعرفة مالية تمكّن الشخص من تقييم الشركات، وتحتاج إلى ممارسة مرات عدة وتحييد المشاعر والنظر بموضوعية للصورة الكاملة، ولهذا الاستثمار في زمن الـ"كورونا" والأزمات عموما مهمة صعبة.

إنشرها