«كورونا» .. القشة التي قصمت ظهر البعير

|

تلقى الاقتصاد العالمي "صدمة" انتشار فيروس كورونا، وهو الذي ما زال منهكا منذ الأزمة المالية العالمية 2008، دفعت أسواقه المالية حتى نهاية الأسبوع الماضي ثمنا باهظا تجاوز ثمانية تريليونات دولار، لتشطب أغلبها خلال أقل من ثلاثة أسابيع مضت جميع مكاسبها التي تحققت لها منذ 2016، ولا تزال جميع الجهات الدولية عاكفة على تقدير حجم الآثار المحتملة لصدمة فيروس كورونا، والوصول من ثم  إلى آليات دعم الاقتصادات والأسواق، ومع انتشار الفيروس الذي ما زال آخذ في الامتداد حول العالم، وفي الوقت ذاته لم يتوصل أي طرف من الأطراف بعد إلى علاج له، فمن المؤكد أن الآثار المحتملة والعكسية في طريقها إلى التوسع، وأن  الآليات والتكاليف اللازمة للدعم ولاحتوائها وتخفيف آثارها ستتزايد بالضرورة، وهذا ليس بالأمر الهين في ضوء الأوضاع الراهنة للاقتصاد العالمي، الذي ظل يسير طوال الفترة الماضية من بعد تاريخ الأزمة المالية العالمية، متكئا بصورة رئيسة على سياسات تيسيرية واسعة النطاق، ترتب عليها ارتفاع قياسي في حجم الديون على الحكومات والشركات والأفراد، ووصلت أغلب الفوائد إلى مستويات إما قريبة من الصفر أو دون ذلك. وواجه الاقتصاد العالمي طوال تلك الفترة عديدا من التحديات الجسيمة، وصل بعضها إلى مستوى الأزمات، على مستوى السياسة التجارية لأكبر الاقتصادات، إضافة إلى التوترات الجغرافية-السياسية في كثير من مناطق العالم، والاضطرابات الاجتماعية الشديدة في عدد كبير من الدول حول العالم، وتحديدا في دول الأسواق الناشئة، واصطدامه من فترة إلى أخرى خلال فترات متقاربة بعديد من الكوارث المناخية.

إن  العالم اليوم أمام أزمة لا تزال في طور انتشارها وامتدادها في ظل غياب العلاج اللازم لها؛ ما يعني بدوره أن معالم تشخيصها وتقدير حجمها متحركة دون توقف، وما قد تقرره الدول والأجهزة الدولية لأجل احتوائها في تاريخ معين، سرعان ما سيصبح في اليوم التالي غير مجدٍ وغير كافٍ. لخصت هذه الصورة غير المريحة ما ذكرته Kristalina Georgieva المدير العام لصندوق النقد الدولي، بقولها: إن نحو ثلث الخسائر الاقتصادية من المرض ستكون تكاليف مباشرة: خسائر في الأرواح، وعمليات غلق لأماكن العمل، وإجراءات للحجر الصحي، أما الثلثان الباقيان فهما الآثار غير المباشرة الناجمة عن تراجع ثقة المستهلكين والمسلك التقشفي لمؤسسات الأعمال، وضيق الأوضاع في الأسواق المالية. إطار كهذا لم يعلم حتى تاريخه أي نهاية  لحدوده، وفي ضوء الوضع المتضعضع للاقتصاد العالمي منذ الأزمة المالية العالمية، وما حملته معها سياسات التيسير الكمي من مزيد  من الأعباء المالية على كاهل الاقتصادات، سيكون أقرب مدخل  لفهم واستيعاب الصورة الشاملة لما حدث حتى تاريخه من تطورات عكسية، وممكنا لتوقع ما سيحدث مستقبلا حتى التاريخ المرتقب إما لاكتشاف علاج ناجع للفيروس، أو بتراجعه وزواله نتيجة للإجراءات والتدابير الصارمة التي اتخذها المجتمع الدولي للحد من انتشاره ومحاولة السيطرة عليه، وكل ذلك وصولا إلى السياسات والأدوات المفترض اتخاذها لدعم الاقتصادات والمجتمعات.
 لو أن الاقتصاد العالمي كان بحال أكثر عافية وأقوى، وأقل أمراضا وتحديات مما هو عليه اليوم، هل كان سيتعرض لما تعرض له من خسائر فادحة؟ المؤكد أن لا أحد يمتلك الإجابة الدقيقة عن هذا السؤال؛ إنما المؤكد أن حالا أفضل للاقتصاد العالمي، ومستوى أدنى بكثير من أسباب الضعف والوهن في جسده، كانا سيجعلانه في موقف أفضل بكثير مما هو عليه اليوم. والتركيز هنا ينصب على الاتساع الأكبر لخيارات مواجهة "صدمة" فيروس كورونا، والقدرة الأكبر لدى المجتمع الدولي للتعامل مع آثارها، ولعل الوضع القائم في دولة متمردة على المجتمع الدولي؛ كإيران -على سبيل المثال- وما تقوم به من إخفاء وتكتم على الحجم الحقيقي لانتشار فيروس كورونا بين أفراد مجتمعها، وتسببها في زيادة انتشاره لدى الدول المجاورة لها، واحد من الأدلة على صحة الافتراض المشار إليه هنا.
وعلى الرغم من أن  جهود دول العالم اليوم في إطار مواجهة انتشار فيروس كورونا، ستنعكس أولا على الدول نفسها، وثانيا على بقية أنحاء العالم، إلا أن مبعث القلق هنا هو الفشل الذي تعانيه الدول الأقل جدية وشفافية في مواجهته، في مقدمتها إيران التي ما زالت تمارس الكذب وإخفاء الأرقام الحقيقية لأعداد المصابين، ويزداد الأمر تعقيدا كلما زادت النسخ المشابهة لإيران، التي سينعكس سوء تصرفها وتعاملها مع مخاطر هذا الفيروس بكل تأكيد على المجتمع الدولي عموما، وعلى الدول المجاورة لها إقليميا؛ الأمر الذي يؤكد أهمية التدخل الدولي داخل تلك الدول عديمة التعامل الجاد مع هذه الأزمة، والعمل المشترك على طريق مواجهة  أقوى وأعلى شفافية لمخاطر انتشار الفيروس في تلك الدول، وإلا فإن  الآثار والتداعيات ستأتي أكبر مما هو عليه الوضع الراهن.
ختاما؛ كلما نجح المجتمع الدولي في الحد من انتشار فيروس كورونا حتى اكتشاف علاج  له، أو بانحساره التدريجي نتيجة لإجراءات وترتيبات محاصرته، جاءت الآثار والتكاليف أدنى على الرغم من فداحتها حتى تاريخه، والعكس صحيح؛ كلما تأخر المجتمع الدولي في إطار الأزمة الراهنة لانتشار الفيروس، جاءت الآثار والتكاليف أكبر على كاهل الاقتصادات والمجتمعات حول العالم. والمؤكد في ظل الأوضاع الراهنة بين تلك الحالتين الآنفتين، أن الاقتصاد العالمي وهو الذي ما زال يسير منذ أكثر من عقد  من الزمن على عكاز سياسات التيسير، سيكابد تكاليف وخسائر كبيرة جدا، سيكون من الصعوبة بمكان  تقدير حجمها اليوم ومستقبلا في ظل استمرار انتشار الفيروس حتى تاريخه، وما قد تتضمنه من صدمات  اقتصادية أخرى ترتبط بالنمو الاقتصادي واستقرار المجتمعات من حيث صحة الأفراد ورعاية المرضى منهم، وكل ذلك قبل الحديث عن آثار الصدمات المحتملة في العرض والطلب العالميين.

إنشرها