الإدارة على «الطاير»

|

يستخدم بعضهم الديناميكية العالية التي تتطلبها ظروف العمل والسوق مبررا للسرعة المبالغ فيها "والتخبيص" الإداري، أو ما يعتقد أنه إدارة مرنة وسريعة تلائم السياق الذي يعمل به وتحقق له مؤشرات الأداء التي رسمت له. لا يختلف أحد على أن السياق والإمكانات، وقبل ذلك طبيعة الأهداف وخطها الزمني تحدد بجانب عوامل أخرى أسلوب الإدارة الأمثل للوصول إلى نتيجة ما. لكن هذا لا يعني أن نستخدم هذه المبررات للقيام مثلا بتجاوز الأسس والأصول عند القيام بعمل ما، أو لخسارة عناصر لن تؤثر فينا في الوقت الحالي، لكنها فقد كبير للمستقبل أو لأطراف أخرى، أو تحقيق النتيجة بهدر وإهمال لا يمكن حصرهما.
الضغط الذي يأتي من ملاك الأعمال ومن هم في أعلى الهرم يصل في بعض الأحيان إلى مستوى خرافي يتم فيه التركيز على العامل الزمني، ما يرفع في نهاية الأمر مستوى المخاطر المرتبطة بالجودة ومستوى الأداء وربما يدفع إلى الفشل الكامل أو يحقق خسائر تفوق ما تم استثماره من جهد ووقت وإمكانات. مثال ذلك، تصنيع دواء بشكل سريع لكن أثره عكسي يقتل الناس بدل أن يعالجهم. والمثال الآخر، السد الذي ينكسر بفيضان بسيط ويغرق قرى ومدنا يسكنها الآلاف من البشر، ستعود الذاكرة حينها إلى حفل الافتتاح ومن شارك فيه، والشريط الذي تم قصه بعد المشروع المعجزة المنفذ في فترة قصيرة جدا. لن يسامحهم أحد.
ربما تشتكي أحيانا من اجتماعات مطولة لا فائدة منها أو نقاشات لا تنتهي إلى نتيجة واضحة ومحددة، لكن النقيض أيضا مشكلة تستحق النظر. تخيل قرار المليار الذي يتم إطلاقه دون دراسة كافية، أو الفرع الجديد الذي تم إصدار قرار افتتاحه بعد استعراض بيانات غير موثقة. المشكلة أن بعض المديرين يخلط بين أهمية الحدس والحاجة إليه -وهي ضرورية في بعض الظروف - وبين "التخبيص" والهامشية والسطحية. أي ابتعاد عن الموضوعية أو الضعف في صنع الظروف المناسبة لإضفاء الموضوعية والمنهجية الملائمة على آلية صنع القرار لا يعد شطارة، وليس إدارة "محترفة" على الطاير، أصنفه إهمالا وفي معظم الحالات إهمال جسيم يستحق العقاب.
صنع القرار عملية معقدة يمكن نمذجتها بعشرات الطرق، فهناك من يحاول تبسيطها وهناك من يعمل على إثرائها، والأهم، أن نحققها بشكل فاعل ومتوائم مع الظروف التي نعمل عليها. تختلف طبيعة القرارات والتحضير لها حسب السياق والنتيجة التي نود الوصول إليها. وفي حالة الضغوط الشديدة التي تدفعنا نحو تحقيق هدف زمني محدد، أو الوصول بحجم العمل أو مؤشراته إلى مستوى معين، لا يوجد ما يمنع من تعديل آلية صنع القرار، ومراجعة أسلوب الإدارة الذي ينقلنا من وضع إلى وضع آخر، لكن بشرط احترام مجموعة من الاعتبارات التي ينبغي أخذها في الحسبان، وهذه الاعتبارات أو الأسس إن صح التعبير ما يجعل أي إدارة سواء كانت "على الطاير" أو بطريقة "القطار الذي لا يتوقف" تصبح إدارة مقبولة ومنضبطة ومخاطرها معقولة.
من أهم الاعتبارات: التحضير الجيد، فأي قرار أو نتيجة نصل إليها دون تحضير جيد تقترب بشكل كبير من عملية المقامرة، إذ إن النتيجة تصبح غير محسوبة جيدا والمعطيات الحقيقية لم تؤخذ في الحسبان. ويشمل التحضير هنا كل ما يمكن سرده تحت الإعداد لمكونات القرار والتصرف السليم، مثل جمع المعلومات والتحقق منها وتحليلها والنقاش حولها، وربما تدخل التجربة والاختبار مع حسن التوقيت لتحقيق النتيجة المطلوبة. ومن المهم كذلك حيازة فكر إدارة المخاطر ومواجهتها بشكل يلائم واقع العمل، وهذا يبدأ بفهمها وتفنيدها وتحديد الأدوات والوسائل التي تؤثر فيها إيجابا أو سلبا. ومن الاعتبارات الشجاعة كذلك الشفافية والتوثيق الذي ينبغي ألا يتم التنازل عنه بأي حال من الأحوال، خصوصا القدرة على الرجوع لاحقا إلى واقع العمل وسجل تصرفاته بغرض التعلم أو أي غرض آخر. وهناك قائمة طويلة من الاعتبارات التي قد تختلف حسب طبيعة العمل وأسلوب الإدارة، المهم، ألا تكون الإدارة "على الطاير" سببا لحرق الكفاءات أو هدر الأموال أو الغش بمقالب ومصائب تأتي لاحقا بعد حين.

إنشرها