التكيف مع آلام الإصلاحات الاقتصادية وتجاوزها

|

امتدادا لما بدأت الحديث عنه في المقالين السابقين، حول بذل الجهد اللازم لحماية برامج وإصلاحات "رؤية المملكة 2030"، وتحديدا من خلال العمل على التدقيق اللازم في أي مبادرات تستهدف التخفيف أو حتى منع الآثار المترتبة عليها على عموم منشآت القطاع الخاص، وألا تصل قوة تلك المبادرات المرحلية إلى شل قوة ونفاذ تلك البرامج والإصلاحات، لنجدها لاحقا قد غابت في أغلبيتها عن الوجود، ونصبح تحت مظلة تلك المبادرات الاستثنائية كأنما نقف في المربع الذي سبق تنفيذ برامج الإصلاحات.
وكما قد أصبح معلوما لدى العموم؛ فإن برامج وعمليات الإصلاحات التي بدأت منذ ما يقارب أربعة أعوام، لا تقف عند حدود معينة في الأجلين القصير والمتوسط، وأنها جاءت ضمن مسارات استهدفت إحداث تغييرات جذرية واسعة وشاملة لكامل نسيج السياسات الاقتصادية الراهنة "إعادة هيكلة كاملة للاقتصاد الكلي"، وإيجاد اقتصاد على مستوى إنتاجية أكفأ وأفضل، وأكثر تنوعا في قاعدته مقارنة بما كان عليه سابقا، والانطلاق به من واقعه السابق إلى أبعد من ذلك ليصبح أكثر تنافسية مبتعدا عن الاعتماد المفرط على الإنفاق الحكومي المباشر وغير المباشر، وتيسير السبل كافة أمام كيانات القطاع الخاص عبر تسهيل بيئة الاستثمار المحلية، وفتح نوافذ المنافسة الكاملة والحد من أشكال الاحتكار، بما يكفل سهولة توجه السيولة والثروات نحو قنوات الاستثمار المتنوعة، التي تخدم احتياجات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وتسد أمام الثروات المحلية جميع الطرق المؤدية إلى تدفقها نحو المضاربة العشوائية، أو التكدس في أصول غير منتجة كالأراضي وغيرها من الأصول.
وعلى أن جميع المبادرات المقترحة خلال العامين الأخيرين، وضعت في اعتبارها الأول التخفيف من الآثار العكسية المحتملة حتى التي وقعت على القطاع الخاص، إلا أن أهمية الخروج من واقع اقتصادي وتنموي امتدت حياته لأكثر من نصف قرن من الزمن، يظل هدفا استراتيجيا أولا يجب تحقيقه ولا يمكن أن يتأخر في سلم أي من تلك المبادرات إلى مرتبة ثانية أو متأخرة. الأمر الآخر الذي لا يجب نسيانه من لدن العاملين خلف تلك المبادرات وغيرها من واضعي الحلول التخفيفية لآثار الإصلاحات الاقتصادية الواسعة والعميقة الراهنة؛ أن تصحيح وإصلاح اختلالات أي اقتصاد حول العالم، يحمل معه بكل تأكيد ضحايا وخاسرين "منشآت، وأفرادا"، فإنه أيضا يحمل في طياته المستقبلية رابحين ومستفيدين "منشآت، وأفرادا" نتيجة لتلك الإصلاحات. ومع مضي الزمن وترسخ ركائز التجديد والإصلاح الاقتصادي، سترى أن أعداد الخاسرين تتناقص تدريجيا إلى أن تختفي أرقامهم، وترى في مسارات أخرى تنامي أعداد الرابحين والكاسبين إلى المرحلة التي تتجاوز فيها أعدادهم أعداد الخاسرين؛ بل سترى في الأجل الطويل أن تنامي عددهم وحجمهم، قد تجاوز دائرته ووزنه الاقتصادي والمالي والتجاري جميع المواقع التي كانت مشغولة بتلك المنشآت أو الأفراد ممّن خسروا وجودهم.
تلك هي الحقيقة التي اتسمت بها جميع الإصلاحات في كل موقع من العالم تم فيه العمل على تنفيذها، ولا تعد مجرد تنظير كما قد يراه بعض أو كل مَن سقط في طريق الإصلاحات الاقتصادية الشاملة الراهنة ولم يستطع أن يتكيف معها، الإصلاحات التي يجري العمل على تنفيذها في طول وعرض الاقتصاد الوطني، ولا يمكن أن يكون كذلك بالنسبة لمَن وصلت نداءات استغاثته لإنقاذ منشأته من النهاية الحتمية، نتيجة للتغيرات الجذرية التي يخضع لها في الوقت الراهن الاقتصاد الوطني! وفي الحقيقة ليس شرطا أو مطلوبا من مُلاك تلك المنشآت أن تحظى هذه الفرضية بالقبول أو الاعتراف من قبلهم، فهو أمر لا يقدم أو يؤخر في ميزان المكتسبات التي سيحظى بها الاقتصاد الوطني في الأجلين المتوسط والطويل، بقدر ما أنه مهم جدا لرواد الأعمال والمبتكرين الحقيقيين، الذين تعني لهم هذه الإصلاحات والتحولات الهيكلية والاقتصادية شيئا كثيرا، لما تحمله لهم من توفير فرص استثمار واعدة جدا، يجب ألا تغيب عن ناظرهم، ولا حتى أن تفوت رؤيتهم الطموحة نحو تطوير وتحسين مشاريعهم الاستثمارية.
المكاسب التي سيجنيها اقتصادنا في الأجل الطويل عظيمة جدا، وإن لم يتمكن حتى تاريخه كثير من منشآت القطاع الخاص من رؤيتها في الوقت الحاضر، والأهم هنا هو الاعتكاف على اقتراح أي من المبادرات الاستثنائية من برامج وسياسات الإصلاح أن تبذل الجهد الكافي لترى المكاسب المنتظرة في نهاية الرحلة الطويلة، وأن تتذكر في الوقت ذاته حجم المسؤولية الكبيرة على عاتقها تجاه أهمية تحقق تلك الأهداف، وتجعلها في مقدمة أي جهود تقوم بها، والحذر أيضا من الاستجابة الآنية لأي تقلبات في الأجلين القصير والمتوسط؛ ما قد يدفعها إلى اتخاذ حلول آنية تستهدف تخفيف حدة الآثار القصيرة الأجل، لكن قد تتسبب في الإطاحة بالأهداف طويلة الأجل للمنظومة الشاملة والمتكاملة من الإصلاحات وجهود التطوير المتعلقة بكامل الاقتصاد الوطني، والتسبب دون قصد منها في تأخير خطوات التقدم الاقتصادي، وهو بكل تأكيد ما يتفق الجميع على أهميته القصوى مقارنة بأي اعتبارات أخرى. إن التكيف مع آلام الإصلاحات الاقتصادية الراهنة، والعمل على تجاوزها هما المهمة المأمولة والمطلوبة، لا العمل على التخلص من تلك الآلام والعودة إلى منطقة الدفء السابقة قبل الإصلاح، التي تعني في حقيقتها إلغاء ما تم تصميمه من برامج وسياسات ضمن رؤية مستقبلية طويلة الأجل.

إنشرها