مصبغة الملالي لغسل الأموال

|

«غسل الأموال في إيران يصل إلى مليارات الدولارات سنويا»
محمد جواد ظريف، وزير خارجية إيران

لم يكن الأمر يحتاج إلى خبراء ومختصين في الشأن الإيراني، لكي يعرف العالم أن نظام الحكم في هذا البلد، سيمارس ما يعرفه، وهو الاحتيال على المجتمع الدولي في كل المسائل التي تخصه بروابطها المحلية والدولية. وعلى هذا الأساس، لا غرابة في فشل نظام علي خامنئي؛ في الإيفاء بتعهداته العالمية حيال الحد من عمليات غسل الأموال التي تجري في بلاده، والتي يقوم بها هو على الساحة الخارجية أيضا. وهذه العمليات الشائنة ليست جديدة بالنسبة لطهران؛ بل تعود إلى الزمن الذي وصل فيه النظام إلى السلطة، والسبب معروف أيضا، وهو أن إيران لم تدخل عمليا في النسيج الاقتصادي العالمي منذ ذلك التاريخ، وهي لم تدخل أصلا ضمن المنظومة العالمية كأي دولة تريد أن تكون جزءا طبيعيا من المجتمع الدولي. دون أن ننسى، أن مفهوم الدولة انتهى إلى الأبد، بوصول ذلك المنتج الذي أطلقوا عليه “ولاية الفقيه”.
على كل حال، ضربت طهران بفشلها في التعاون على صعيد غسل الأموال، حتى الجهات الدولية التي كانت تراهن على هذا التعاون، من أجل إظهار شيء من الجدية على صعيد طبيعة علاقات إيران بالمجتمع الدولي. في العام الماضي منحت مجموعة العمل المالي الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، المعروفة اختصارا بـ”فاتف”، نظام خامنئي حتى الشهر الجاري، لإظهار التزامه بالقواعد والقوانين التي تمنع هذه العمليات، خصوصا مع تصاعد الأعمال الإجرامية للإرهاب هنا وهناك. كانت هذه المهلة، هي الأخيرة التي تحصل عليها إيران قبل أن يتم وضعها نهائيا على القائمة السوداء. وفي المرحلة الماضية، نجت طهران مرات عدة من عقاب “فاتف” نتيجة تعهدات هلامية من جانب النظام الحاكم، وأيضا اتصالات قامت بها بعض الدول المؤثرة التي ترى أنه لا بد من إعطاء هذا النظام بعض الوقت.
المصيبة هنا، أنه لا يزال هناك مَن يعتقد بأن إيران يمكنها أن تكون ضمن السياق العالمي في هذه المجال المهم والخطير. في حين اعترف وزير خارجيتها جواد ظريف؛ العام الماضي، بأن مليارات الدولارات يتم تبييضها في بلاده، وتعهد يائسا بأن نظام الحكم سيعمل على وقفها. لكن المشكلة هنا تكمن في أن عمليات التبييض هذه هي التي تجعل النظام مستمرا ليوم آخر. وهي عمليات منهجية لأنها صارت مع الوقت المورد الأكثر عوائد له، ولاسيما في مجالات تمويل الإرهاب التي أصبحت استراتيجية معلنة له أيضا. فهذا النظام يجني أموالا من زراعة وصناعة المخدرات إلى تهريبها وتوزيعها، فضلا عن تجارة الرق والسلاح غير المشروع، وغير ذلك من الأوجه الشائنة، فضلا عن منظومته المتصاعدة في تمويل الإرهاب هنا وهناك، عبر تدخلات مباشرة في بعض الدول، أو إنشاء تنظيمات إرهابية حول العالم.
في احتيال واضح، تمكنت طهران في عام 2016 من رفع العقوبات عنها، بعض أن قامت بمعالجة أوجه القصور الاستراتيجية في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومن الالتزامات، بل اعتمدت قانون مكافحة غسل الأموال. لكن لم يحدث شيء على أرض الواقع، بدليل اعترافات حتى من مسؤولين بمستوى وزير الخارجية نفسه. والسبب معروف في هذا المجال، وهو أن عمليات غسل الأموال تتم بموافقة مباشرة من علي خامنئي، ولا يمكن حتى للحكومة التدخل فيها، فهذه الأخيرة ليست سوى صورة لتجميل نظام ولاية الفقيه، لا قيمة لها، وليس لها دور في سن التشريعات عمليا، خصوصا تلك التي تتقاطع مع نهج “المرشد”. مرة أخرى لا يمكن لنظام كهذا أن يقوم بوقف عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لأنها جزء أصيل من استراتيجيته.. فإذا انتهت سينتهي.
أمام هذه الحقائق، اضطرت “فاتف” أخيرا، وتحديدا في اجتماعها هذا الشهر بباريس إلى إعادة فرض كل العقوبات على إيران، على أساس أنها لم تتخذ الإجراءات المنتظرة ضد غسل الأموال وتمويل الإرهاب. باختصار، فشلت طهران في تطبيق ما يُعرف بمعاهدة “باليرمو”. ولكن ما هذه المعاهدة؟ هي على الشكل التالي “لمكافحة الإجرام المنظم العابر للحدود طبقا لمعاييرنا”. الذي يدعو للسخرة، أن بعض الجهات الدولية انتظرت سنوات للوصول إلى حقيقة نظام علي خامنئي؛ في حين أنه نظام يمارس علنا “إرهاب الدولة”. أي أن الاتفاقية المذكورة لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تنطبق على الحالة الإيرانية؛ ليس فقط عبر التدخلات العسكرية في عدد من البلدان العربية؛ بل أيضا بتمويل الإرهاب في دول عربية وغير عربية، وإنشاء مزيد من الخلايا الإجرامية النائمة حتى في قلب الدول الغربية.
مرة أخرى، الأمر لا يحتاج إلى وقت أو خبراء لمعرفة سلوكيات وممارسات إيران بنظامها الإرهابي الحاكم. أثبت هذا النظام بوضوح أنه خارج نطاق أخلاقيات المجتمع الدولي؛ ليس فقط عبر شن الحروب ونشر الكراهية والطائفية والظلم، وتمويل الإرهاب؛ بل أيضا عبر مفهومه للإنسانية بمعاييرها التي لا تخطئها جهة.

إنشرها