الاقتصاد العالمي والنمو المتواضع

|


تتفق التوقعات حول النمو الاقتصادي العالمي. وكلها تتحدث عن حدوث نمو متواضع في العامين المقبلين، وإن كان بعضها القليل يشير إلى إمكانية حدوث جمود في النمو. لكن في النهاية هناك اتفاق عام على أن الاقتصاد العالمي لن يتحرك بالوتيرة المأمولة بعد أن انتهى العام الماضي نهائيا من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي ضربته في عام 2008. بالطبع، هناك عوامل كثيرة لهذا المشهد الاقتصادي، أولها المعارك التجارية التي حفل بها العام الماضي بين دول كبرى، ولا سيما الصين والولايات المتحدة، وكذلك "الخصام" التجاري الذي ولد معارك هو أيضا، بين الدول الحليفة نفسها، ناهيك عن غياب السياسات الهادئة بين الأطراف المعنية برسم خريطة الطريق للاقتصاد العالمي.
لكن في نهاية العام الماضي، ظهر عامل مخيف جدا بشأن النمو الاقتصادي، انحصر في انفجار فيروس كورونا أو "كوفيد 19". فهذا الوباء لا يزال في أوله وأحدث أضرارا كبيرة بالاقتصاد العالمي، خصوصا الاقتصاد الصيني الذي بلغت خسائره في غضون أسابيع قليلة نحو 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. في الصين، توقفت قطاعات كاملة تقريبا، بما في ذلك السياحة والنقل والتعاملات التجارية، ولا سيما تلك المتصلة مباشرة بالخارج. ولا تزال البلاد تعاني "كورونا"، خصوصا مع عدم ظهور أي أمل في العثور على علاج له. ونتيجة الترابط الصيني مع العالم، تعرضت المؤسسات الأجنبية لخسائر كبيرة، عن طريق وقف تعاملاتها مع الجهات الصينية بسبب الوباء. ومن هنا، يمكن تصور ما تحمله الأسابيع القليلة المقبلة، في ظل تفاقم "كورونا".
لذلك، يأتي توقع المسؤولين الماليين في دول مجموعة العشرين مطابقا للواقع على الأرض بشأن النمو وحراك الاقتصاد العالمي في العامين المقبلين. فالحرب التجارية بين بكين وواشنطن لم تنته، وإن توقفت لفترة عن طريق اتفاق جزئي بينهما. والمعارك التجارية الأمريكية - الأوروبية لم تتوقف في الواقع، بل مرشحة للتفاقم أيضا، بعد أن فشلت كل الجهود الدبلوماسية للتقليل من الاندفاعات العدائية التجارية بين الطرفين. ويأتي "كورونا" في الوقت الخطأ، الأمر الذي لم يترك مجالا أمام الاقتصاد العالمي لـ"التمتع" بتخلصه من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية. ورغم أن بعض التوقعات تشير إلى أن آثار "كورونا" الاقتصادية ستكون قصيرة الأجل، إلا أن الخسائر الناجمة عنه ليست بسيطة في المعيار الاقتصادي، وتنعكس مباشرة على النمو، خصوصا عندما يكون الاقتصاد هشا.
الآفاق أمام الاقتصاد العالمي ليست مشرقة تماما، ولا بد من تفاهمات واقعية بين واضعي السياسات الاقتصادية المؤثرة في الساحة الدولية. فقد أظهرت التجارة أن سياسة الحمائية لا تنتج إلا توترات تنعكس على كل الأضرار، بما فيها تلك التي تمارس هذه الحمائية. في العامين المقبلين، يبدو واضحا أن النمو الاقتصادي سيظل متواضعا، إلا إذا حدثت انفراجات حقيقية في المواقف الخاصة بالتجارة العالمية، وكذلك إذا ما حوصر "كورونا" بوتيرة أسرع.
أظهر هذا الوباء مدى التشابك الاقتصادي العالمي الكبير، الذي يفوق ما كان عليه قبل عقدين من الزمن، فلا يمكن في ظل تشابك قوي كهذا أن تكون هناك معارك تؤثر في النمو الذي يستفيد منه الجميع. إنها مسؤولية عالمية، تليق بالدول الكبرى وغيرها.

إنشرها