التواصل الفعال عند الطوارئ الصحية

|


يحدث تفشي الأمراض المعدية المعروفة فزعا مجتمعيا وفوضى وشائعات ومبالغات ومعلومات خاطئة تهون أو تبالغ في المخاطر الصحية والاقتصادية والاجتماعية المحدقة بالبشر. ويزداد الفزع عند بزوغ مرض جديد وغياب ونقص المعلومات حوله، ما يتسبب في إحداث فوضى وخسائر تتعاظم مع أساليب التواصل الخاطئة بين السلطات الصحية والمجتمعات. كما تكثر في وقت انتشار الأمراض النصائح والإرشادات الصحية المغلوطة والكاذبة والوصفات الطبية التي يدعي معدوها قدراتها الوقائية الفائقة أو العلاجية الشافية وسلامتها من الأضرار الجانبية. ونتيجة ذلك، يتعرض كثير من الناس للغش والخداع، ما قد يتسبب في إحداث أضرار صحية ونفسية واجتماعية لكثير من الناس وتحميلهم خسائر اقتصادية في غنى عنها. ويقف وراء نشر المعلومات المغلوطة والوصفات الضارة أو عديمة الجدوى في البداية، مروجو منتجات أو سلع أو منتجون ووسطاء أو حاقدون على منتجين أو جهات معينة. بعد ذلك يتكفل السذج بنشر هذه المعلومات دون تدقيق أو تحقق من صحتها. لذا، ترتفع الحاجة في أوقات الطوارئ الصحية إلى تزويد العامة بأفضل وأدق المعلومات المتوافرة وأكثرها علمية، ونشرها في أسرع وقت وحيادية لأكبر عدد من البشر.
تلعب أساليب التواصل العلمية الفعالة المتوخاة للدقة دورا مهما في التصدي للأمراض المعدية والأوبئة. وقد يكون التواصل بين الجهات الرسمية والمجتمعات حاسما في خفض المخاطر المهددة للأمن الصحي، خصوصا عند فقدان العلاجات الناجعة أو نقصها أو عجز الموارد الصحية عن التصدي للأمراض. ووضعت منظمة الصحة العالمية متطلبات ومعايير عدة للتواصل الصحي الفعال لخفض الاضطراب النفسي والمخاطر الصحية والخسائر الاقتصادية الناتجة عن انتشار "فلاشات" الأوبئة والأمراض المعدية والحد من تعطل الخدمات. ومن أبرز تلك المتطلبات ضرورة بناء الثقة مسبقا بين المجتمعات ومسؤولي التواصل الصحي والمحافظة عليها، فدون الثقة لن يصدق أفراد المجتمع معلومات وإرشادات الجهات المسؤولة ولن يحرصوا على التقيد بها خلال انتشار الأمراض. ويتطلب اكتساب ثقة المجتمعات القناعة بمهنية المسؤولين وحياديتهم، وبتاريخ من الصدق والأمانة في توصيل المعلومة، والحرص على سلامة المجتمع، وتوافر أعلى درجات الشفافية والسرعة في النشر والإبلاغ خلال فترات انتشار الأمراض. كما أن على مسؤولي التواصل الصحي توفير أكبر قدر من المعلومات الاستباقية عن المخاطر الصحية التي تحيط بالمتأثرين، للحد من الأضرار الناشئة وأساليب التعامل معها وإدارتها. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يجب أن يصغي مسؤولو التواصل إلى آراء واهتمامات واستفسارات أفراد المجتمع حول المرض والتعرف على مقدار استجابة المجتمع للمخاطر الصحية المحدقة وتبنيهم الإجراءات الاستباقية اللازمة للحد من تفشي الأمراض.
إن نشر أكبر قدر من المعلومات الصحيحة وتوفيرها في كل الظروف، يساعدان المستهلكين على تعظيم رفاهيتهم في كل الأحوال. وتزداد أهمية المعلومات الصحيحة في الظروف الصحية الطارئة، حيث تقلص المعلومات الصحيحة الأضرار الصحية وغير الصحية الناتجة عن انتشار الأمراض المعدية إلى أدنى حد ممكن. كما أن نشر معلومات استباقية قبل تفشي الأمراض يشجع المجتمعات على تجنب مخاطر العدوى وينقذ الأرواح، ويزيد قدرات مراقبة الأمراض، ويخفض حالات الفزع والبلبلة الناشئة عن الأوبئة، كما أنه يرفع مستويات الأمن الصحي، ويحسن كثيرا من استغلال الموارد، خصوصا الصحية منها، التي تتعرض لضغوط عالية عند انتشار الأوبئة.
أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورة حقيقية في نشر المعلومات بأشكالها كافة، لكنها تعاني كثيرا من نشر المعلومات المضللة والخاطئة والكاذبة والتدليس المتعمد وغير المتعمد. ويستقي معظم الناس معلوماتهم من وسائل التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام التقليدية، التي يعاني عديد منها انخفاض المهنية ونشر المعلومات المغلوطة. لذا، ينبغي في حالات الطوارئ الصحية توخي الحذر الشديد في الحصول على المعلومات الصحية وتجنب نشرها إلا إذا كانت صادرة عن جهات مختصة تتمتع بثقة كبيرة ومهنية عالية حتى يمكن تجاوز فترات الخطورة العالية وإنقاذ أرواح بشرية.
إن نشر المقاطع والمعلومات الصادرة من كل من هب ودب، صار ديدن وسائل التواصل الاجتماعي ويشكل في أحيان كثيرة مصادر خطر وتشويش على حياة البشر، كما أن انسياق كثير من وسائل الإعلام التقليدية وراء هذه المعلومات، ضخم حجم المعلومات والتصورات والاعتقادات الخاطئة حتى باتت تهدد الحقائق المعروفة في بعض الأحيان. ومن أفضل الأمثلة على ذلك، عودة الجدل حول حقيقة كروية الأرض حتى بات بعض المتعلمين يشككون في هذه الحقيقة. وتقود المعلومات المغلوطة إلى التأثير في منحنيات العرض والطلب، ما يشوه الأسعار والتوازنات في أسواق السلع والخدمات. لذا، لا بد من التخطيط مسبقا لكيفية تواصل الجهات الصحية المختصة مع الجمهور وتوفير الطاقات البشرية الكفؤة القادرة على كسب ثقة الناس وتخصيص وسائط اتصال وموارد مادية كافية للقيام بمهمات التواصل الفعال مع شرائح المجتمع كافة.

إنشرها