المملكة تصنع المستقبل الصناعي

|


من يشكك في قدرة الاقتصاد السعودي على الاستدامة، فعليه إعادة قراءة التاريخ السعودي في فتراته الثلاث الماضية، فرغم الصدمات السياسية والاقتصادية الهائلة والتحولات العالمية الكبرى، نقف اليوم والمملكة ترأس مجموعة الدول العشرين الأكبر اقتصادا في العالم، وليس المجال لذكر تلك التحديات ونتائجها التي عززت ارتباط المجتمع السعودي بقيادته الموفقة بإذن الله، بل لأن الإشارة إلى تعامل السعودية مع الأحداث والتحديات ليس من منطلقات اجتهادية فارغة المحتوى أو ردة فعل على تقارير لم تقنع كاتبها فضلا عمن قرأها ومعه لب، فما يأتي من أخبار أو تصريحات من هنا وهناك تتحدث عن الاقتصاد السعودي ما يلبث أن ينكشف زيفها مع صدور قرارات حكومية صريحة بشأن تحقيق إنجازات واختراقات قوية في مسار التنوع الاقتصادي الذي هو ركن من أركان "رؤية المملكة 2030". وأشار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهو عراب الرؤية والموجه الرئيس في خطاباته المتعددة، إلى قضايا في غاية الأهمية، من بينها ما نتمتع به من مقومات قوية في مجال الطاقة بشكل عام والشمسية وطاقة الرياح على وجه الخصوص وهو يجعلنا بكل ثقة نستهدف دخول مزيج الطاقة المتجددة إلى الإنتاج المحلي بحلول 2030 وبشكل يجعل اعتمادنا على النفط أقل بكثير مما هو عليه اليوم، لكن الأهم في هذه التوجهات يأتي في قدراتنا على استخدام فوائض النفط لتوفير المدخلات لهذه الصناعة العالمية التي تنمو بسرعة، مدخلات مثل السيليكا والبتروكيماويات. ولهذا جاءت الخطوات اللاحقة بإنشاء اللجنة العليا للمواد الهيدروكربونية برئاسة ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء، أمس الأول، لتحقق لنا هذه التحولات المنشودة، وبالأمس تم الكشف عن خطط تطوير حقل "الجافورة" العملاق في المنطقة الشرقية الذي يعد أكبر حقل للغاز غير المصاحب غير التقليدي، ويقدر حجم موارد الغاز في مكمنه بنحو 200 تريليون قدم مكعبة من الغاز الرطب، الذي يحتوي على سوائل الغاز في الصناعات البتروكيماوية والمكثفات ذات القيمة العالية. ونظرا لخصائص الغاز المهمة في هذا المكمن المهم، فقد وجه الأمير محمد بن سلمان بأن تكون أولوية تخصيص إنتاجه للقطاعات المحلية سواء في الصناعة، الكهرباء، تحلية المياه، والتعدين وغيرها لمواكبة معدلات النمو الطموحة وفق "رؤية 2030".
وبالعودة لسياق التنوع الاقتصادي فإن هذا الحقل قادر على إنتاج نحو 130 ألف برميل يوميا من الإيثان تمثل نحو 40 في المائة من الإنتاج الحالي، ونحو 500 ألف برميل يوميا من سوائل الغاز، والمكثفات اللازمة للصناعات البتروكيماوية تمثل نحو 34 في المائة من الإنتاج الحالي، وسيحقق دخلا صافيا للحكومة بنحو 8.6 مليار دولار سنويا، و20 مليار دولار للناتج المحلي مع يوفره من فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للمواطنين في تلك القطاعات وغيرها. ولابد من الإشارة هنا إلى ما ذكره الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة خلال كلمته في "مؤتمر سابك 2020" وإشارته الواضحة إلى "الجيل الرابع للكيماويات"، وأن خطط المملكة نحو استخدامات النفط مع توافر الغاز ستتغير لتغيير خريطة الاقتصاد العالمي وتعمل على تكثيف اعتماده على منتجات الصناعات البتروكيماوية في إنتاج الطاقة المتجددة وهذا يتم الآن من خلال العمل الدؤوب لابتكار وتطوير المنتجات والمواد البوليمرية المستخدمة في صناعات عدة من بينها توربينات الرياح.
هكذا نتحدث في المملكة عن خطط التنوع الاقتصادي وليس كما يريد البعض أن يصورها لنا في دعم المنشآت الصغيرة المهمة فقط، بل إن المملكة تريد أن تصنع شكل المستقبل الصناعي وثورته القادمة، وأن تصبح المنتجات السعودية مهمة فيه وجزءا لا غنى للعالم عنه. ومحليا سيتم إدخال الغاز في الصناعات لتخفيف استخدامات النفط الذي سيوجه الفائض منه نحو إنتاج البتروكيماويات من أجل وضع قدم راسخة جدا في مدخلات صناعة الطاقة المتجددة وغيرها من الصناعات التي تعتمد بشكل متزايد على البوليمرات كصناعة السيارات والصناعات الدقيقة. هنا نجد الإشارات واضحة بشأن خطط التكامل بين الصناعات البترولية والصناعات البتروكيماوية، وما بدأ يطفو على السطح فعليا من استحواذ "أرامكو" على "سابك" وزيادة الحصص لشركتي "صدارة" و"بترورابغ" من سوق البتروكيماويات عالميا، كما أن العمل يجري حاليا في معمل الغاز في "الفاضلي" لتوسعة شبكة الغاز الرئيسة في المملكة، ليدخل في مجالات توليد الكهرباء، وصناعات الصلب، والألمنيوم، والبتروكيماويات وتحلية المياه.

إنشرها