يقول صندوق النقد إننا سنفلس "3"

|

.. وعلى النقيض، فثمة دول تصاحبت مع الثراء دهورا ثم نكصت إلى الفقر، خذ مثلا اليونان. ففي الستينيات كانت اليونان الأعلى نموا بين دول أوروبا قاطبة! ونما اقتصاد اليونان إيجابيا حتى حلول الأزمة المالية العالمية عندما بدأت تعاني تراكم الديون وارتفاع تكلفتها وتنامي العجز في الميزانية العامة للدولة. تاريخيا، كانت اليونان من أثرى دول أوروبا، فما الذي حدث؟ في تشرين الأول (أكتوبر) 2009 اعترفت حكومة اليونان بأنها كانت "تحجم" قيمة العجز المالي في ميزانيتها، فامتنعت البنوك عن إقراضها! هل أفلست اليونان "المحتالة"؟ لا، فقد مد لها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد "حبل إنقاذ" قوامه 240 مليار يورو، مقابل أن تنضبط ماليا، إذ إن سبب أزمة اليونان أن السياسة المالية لحكومتها تقوم على "السفاهة"، نعم السفاهة؛ كانت تقترض لتنفق ببذخ، ولم تكن تقوم بالجهد الكافي لجمع المورد الأساس لخزانتها "الضرائب" بفاعلية، فكان التهرب الضريبي منتشرا بين الأفراد وطريقة حياة لعديد من منشآت الأعمال! فمثلا، أنفقت تسعة أضعاف ما أنفقته أستراليا على الألعاب الأولمبية، والفارق بينهما أربعة أعوام فقط، على الرغم من ثراء أستراليا وفقر اليونان، كما أن حكومة اليونان كانت تقترض لتدفع لموظفيها ولبرامج تقاعدهم.
عمليا، الدول لا تفلس، بل تفقد القدرة على إدارة اقتصادها؛ لنأخذ حالة عملية نعايشها في وقتنا الرهن، فعلى الرغم من ثرائه بالموارد البشرية والطبيعية والسياحية، إلا أن الإدارة الاقتصادية للبنان لا تخضع لحوكمة فعلية؛ بما في ذلك إدارة الدين العام الذي تجاوز 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، والاستحقاق الكبير يتربص لسداد 1.2 مليار دولار. ومع كل ذلك، فإفلاس لبنان ليس واردا، بل إعادة هيكلة الديون أخذا في الحسبان الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها لبنان.
فكما تبين الأمثلة السابقة، فدول فقيرة انتقلت إلى الغنى كما هو حال سنغافورة، ودول كانت لقرون أغنى دول الأرض ثم انتقلت إلى الفقر بفعل سياسات لتعاود وتسترجع مكانتها بفعل سياسات، كذلك كما هو الحال مع الصين، ودول كانت مركز الثراء والتحضر لقرون في الماضي، وأثبتت حديثا قدرتها على النمو بفعل سياسات اتبعتها بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تخلت عن كل ذلك وآثرت العيش على "قفا" شركائها في الاتحاد الأوروبي، فقصدت الدائنين وأهملت المدينين، فتورطت وتورط العالم معها، كما هو حال اليونان، ودول تكابد جزرا ومدا مثل لبنان.

إنشرها