النظام الإيراني المهووس بالأوهام

|


"النظام الإيراني هو سرطان الشرق الأوسط"
ليندسي جراهام، عضو مجلس الشيوخ الأمريكي

تسير الأمور في إيران من سيئ إلى أسوأ. هذه الحقيقة يعرفها الجميع، وعلى رأسهم الشعب الإيراني نفسه، الذي يعاني منذ أكثر من أربعة عقود نظاما مهووسا بالأوهام معاديا للحقيقة، إلى أن أصبح هوسه مرضا ميؤوسا من شفائه، لماذا؟ لأن التجارب السابقة أثبتت كل مرة، أنه لا يستطيع أن يكون جزءا طبيعيا من المنطقة والمجتمع الدولي أيضا. ضرب فرص التفاهم، وتحدى كل المعايير الدولية، وصنع أعداء بمزاجه وليس قسرا. لم يستمع حتى لأولئك الذين حملوا لواء الفرص المقدمة له، ولا سيما على الجانب الأوروبي، إلى درجة أن صارت محاولات هؤلاء بائسة وعبثية. على الجانب المحلي، استخدم النظام الإيراني الوسيلة الوحيدة التي يعرفها، وهي القمع والاعتقال والنفي وتلفيق التهم، لإسكات الأصوات المنادية بالتغيير. وهذه الأصوات هي نفسها التي نادت بالإصلاح في البداية.
إنه باختصار نظام صانع للأزمات المحلية والإقليمية والدولية أيضا. نظام لا يزال يعتقد أنه يستطيع المواجهة، حتى وهو عاجز عن توفير المعايير الأدنى للحياة الكريمة لشعبه. حتى في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليه في الوقت الراهن، لا يزال يطلق الفقاعات الصوتية وفي أحسن الأحوال الفرقعات التي صارت مادة للسخرية في الداخل كما في الخارج. فالوضع الحالي في إيران اقتصاديا صار على حافة الهاوية، ليس فقط بفعل العقوبات المشددة المشار إليها، بل نتيجة السياسات التي اتبعها نظام علي خامنئي طوال الأعوام الماضية، وهي تقوم على الإنفاق على الإرهاب والخراب في الخارج وحرمان الداخل من حقوقه الطبيعية في العيش الكريم. الأولوية عنده تكمن في تمويل تنظيم إرهابي ما، لا لحل مشكلة معيشية متفاقمة يعانيها المواطن الإيراني.
لنترك جانبا البطولات الصوتية التي لا تزال تصدر عن هذا النظام، خصوصا مع ازدياد الضغوط والعقوبات عليه. جواد ظريف وزير الخارجية في تصريح يرسم معالم حقيقة الوضع في بلاده، أعلن أن طهران "مستعدة للتراجع جزئيا أو كليا عن الإجراءات التي اتخذتها، في سياق تخليها عن التزاماتها ضمن الاتفاق النووي". ورغم هذا التنازل المهين، إلا أنه اشترط أن يقدم الأوروبيون مكاسب اقتصادية ملموسة مقابل ذلك. تكمن السخرية في مثل هذا الموقف العلني الجديد، في أن الأوروبيين موجودون بالفعل في المشهد وبقوة أيضا. فقد أطلقوا العام الماضي آلية مالية غرضها مساعدة إيران، لكنها في الواقع تهدف إلى الالتفاف حول العقوبات الأمريكية خصوصا. لكن المشكلة أن الاتحاد الأوروبي نفسه لا يستطيع أن يمضي أكثر من ذلك. صحيح أنه طرف دولي كبير، لكنه ليس قويا بما يكفي لإحداث التغيير المناسب لنظام علي خامنئي.
الحقيقة الأهم في كل هذا، هي تلك الموجودة على الساحة الإيرانية. فاقتصاد البلاد صار بالفعل عند حافة الهاوية. ووفق آخر تقرير لمعهد التمويل الدولي، فإن الاحتياطيات المالية من النقد الأجنبي تراجعت إلى 73 مليار دولار، لتفقد نحو 40 مليار دولار في غضون عامين. ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني في العام الجاري بنسبة 9.5 في المائة، مقابل توقعاته السابقة بانخفاض قدره 6 في المائة، وهو يؤكد أيضا أن العامين المقبلين سيشهدان معدل تضخم أعلى من 20 في المائة. وبالطبع سينعكس هذا على حالة الفقر المتصاعدة في كل أرجاء إيران. وفي عام واحد حرم نظام علي خامنئي من إيرادات بقيمة عشرة مليارات دولار، نتيجة العقوبات الأمريكية وحدها. وهنا أكثر من 100 شركة كبرى توقفت عن التعامل مع إيران، وأبعد من السوق النفطية العالمية ما يزيد على 1.5 مليون برميل يوميا.
وهناك كثير من الإشارات على أن الاقتصاد الإيراني يترنح، من بينها ارتفاع معدلات البطالة بصورة مخيفة، وتردي الخدمات العامة. فضلا عن الانهيار الذي شهدته العملة في الأعوام القليلة الماضية، وغير ذلك من عوامل الانهيار الاقتصادي. حتى أوروبا التي لا تزال طهران تأمل في إنقاذها لم تستطع إقناع شركاتها الكبرى في الاستمرار في العمل في إيران. فهذه الأخيرة تخشى الغضب الأمريكي أكثر من غضب حكوماتها. والعقوبات الأمريكية ليست نهائية. إنها في الواقع تتم بالتدريج، ولذلك ستكون هناك سلسلة أخرى منها في المستقبل القريب، مع انكشاف هوية جهات دولية وإقليمية جديدة تعمل من الباطن لمصلحة النظام الإيراني. أي ترنح الاقتصاد الوطني سيكون أعنف في المرحلة المقبلة.
ليست هناك حلول واقعية لأزمة الاقتصاد الإيراني، أضف إلى ذلك تراخي الموقف الأوروبي المؤيد لنظام طهران، ولا سيما في أعقاب الممارسات العدوانية التي قام بها في الخليج العربي من خلال الاعتداء على ناقلات تجارية، واستهداف طائرات أمريكية غير مأهولة، وإطلاق الصواريخ التجريبية، وغير ذلك من سلوكيات لا تختلف أبدا عن تلك التي يمارسها قطاع الطرق. يضاف إلى ذلك، استمرار ماكينة النظام في صناعة الأزمات في المنطقة ككل. إنها "الصناعة" الوحيدة التي يتقنها، لا تلك التي تستحقها البلاد وشعبها.

إنشرها