بريطانيا الأوروبية على الطريقة الكندية

|


"مزيد من التفتيش الجمركي على البضائع، سيكون خطأ من جانب الاتحاد الأوروبي"
دومنيك راب، وزير خارجية بريطانيا

انتهت الاحتفالات بالخروج الرسمي لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكست". وهي احتفالات قابلتها أجواء حزن عند البريطانيين الذين ينظرون لهذا الخروج على أنه كارثة، والأجواء نفسها سادت مدينة بروكسل عاصمة الاتحاد. في النهاية لا يريد الأوروبيون هذا الانفصال، وحاولوا ما استطاعوا ألا يحدث، وبعدها حاولوا ألا يكون انفصالا عدائيا، بمعنى أن يكون سلسا هادئا، بل مثمرا لكلا الطرفين على اعتباره أمرا واقعا. وهذا ما يفسر قيام المفوضية الأوروبية بتأجيل تنفيذ "بريكست" عدة مرات من أجل ترك مساحة زمنية للطرفين، من أجل الوصول إلى أفضل "وثيقة طلاق" ممكنة، خصوصا أن هذه الوثيقة لا تنهي المسألة على الإطلاق. لماذا؟ لأن المرحلة الثانية والأخيرة من "بريكست" تتلخص بتوقيع اتفاق تجاري بين لندن وبروكسل، يضمن علاقة طبيعية بينهما لعقود مقبلة.
في غضون أيام قليلة جدا، ستنطلق مفاوضات التجارة بين الشريكين السابقين وهي مفاوضات لا تبشر بالسلاسة المطلوبة. كما أنها ستجري في ظل حكومة بريطانية وضعت إمكانية استكمال الخروج حتى بلا اتفاق. وهذا الموقف امتداد طبيعي لموقفها من "وثيقة الطلاق" نفسها، التي شهدت مشادات واتهامات وتهديدات ومواجهات بعضها لم يكن دبلوماسيا في العامين الماضيين. لكن الأمر يختلف الآن على الجبهة البريطانية، لأن حكومة بوريس جونسون التي كانت قبل الانتخابات الأخيرة لا تتمتع بأغلبية برلمانية تمكنها من تمرير ما تريد على ساحة الانفصال، تستطيع الآن أن تمرر ما شاءت من قوانين واتفاقات، بأغلبية لم تكن تحلم بحجمها. أغلبية نقلت "الفرحين" بالانفصال من المقاعد الخلفية إلى الأمامية، بل إلى قلب صناعة القرار الحكومي.
منذ أشهر حاولت بريطانيا تسويق إمكانية أن تعقد اتفاقا تجاريا مع الاتحاد الأوروبي بعد "بريكست" مطابقا للاتفاق الراهن بين هذا الاتحاد وكندا. وهناك من اقترح في السابق اتفاقات مشابهة لتلك التي تجمع الاتحاد مع سويسرا أو النرويج أو حتى تركيا، لكن المصيبة هنا تكمن في التفاصيل وليس في العناوين. فلم يحدث في التاريخ أن نجح اتفاق على أساس العناوين فقط، بل كل الاتفاقات تستوجب أدق التفاصيل، بما فيها تلك التي تظهر فجأة خلال المفاوضات. وفي التفاصيل، فإن كل الاتفاقات المقترحة لن تكون مناسبة مبدئيا في الحالة البريطانية، وذلك لوجود معطيات وحقائق على الأرض لا يمكن أن تستوعبها الاتفاقات المشار إليها. يضاف إلى ذلك عوامل التاريخ والجغرافيا المعقدة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.
فالاتفاق النرويجي - الأوروبي مثلا وهو الأقرب للمنطق يتضمن حرية الحركة بين الطرفين، أي إن الحدود بينهما مفتوحة. وهذا ما ترفضه بريطانيا أصلا، وأجرت استفتاء الخروج التاريخي من الاتحاد على أساس رفضها الحدود المفتوحة إضافة إلى أشياء أخرى تتعلق بالقوانين الأوروبية النافذة على البر البريطاني كله. وبالطبع ليس واقعيا الحديث عن اتفاق بريطاني - أوروبي يشبه ذاك الذي وقعته قبل أعوام المفوضية الأوروبية مع تركيا. فهذا الاتفاق ليس سوى مساعدة أوروبية لهذا البلد، في إطار تشجيعه على أن يكون جزءا طبيعيا (سياسيا واجتماعيا) من القارة الأوروبية. والحال مشابه أيضا فيما يتعلق بالاتفاق الذي يجمع الاتحاد مع سويسرا. فهذه الأخيرة (مثلا) تعتمد تأشيرة "شنجن" الأوروبية المفتوحة، بينما رفضت بريطانيا العضو الكامل في هذا الاتحاد الانضمام إلى منطقة "شنجن"، بل أجبرت جمهورية إيرلندا العضو الكامل أيضا في الاتحاد على ألا توقع عليها حفاظا على الحدود المفتوحة بينها وبين بريطانيا.
المهم الآن أن حكومة جونسون لا ترى سوى اتفاق على غرار الاتفاق الأوروبي - الكندي يمكنه أن يضمن علاقة تجارية جيدة مع الاتحاد الأوروبي مستقبلا. وهذا الاتفاق يتضمن إلغاء الرسوم الجمركية بنسبة 98 في المائة على السلع بين الطرفين. غير أن هناك مشكلات كبيرة جدا في الحالة البريطانية، تتعلق أولا بأن الاتفاق المشار إليه لا يتضمن الخدمات، وهي صناعة محورية جدا على الساحة البريطانية، يضاف إلى ذلك عنصر مهم للغاية، وهو أن كندا لا تملك حرية الدخول الحر للسوق المالية الأوروبية. حتى لو حدثت المعجزة وتم الاتفاق بين لندن وبروكسل وفق النموذج الكندي، فإن تقديرات الحكومة البريطانية نفسها تشير إلى إمكانية تراجع النمو الاقتصادي بنسبة 5 في المائة، والسبب بالطبع واضح يتعلق بقطاع الخدمات البريطاني الأكبر والأهم على الساحة الأوروبية كلها.
باختصار لن تتمكن بريطانيا وفق المفوضية الأوروبية، بصرف النظر عن طبيعة أي اتفاق تجاري معها في المستقبل بأي امتيازات كانت تتمتع بها عندما كانت عضوا كامل العضوية في الكتلة الأوروبية. وهنا ستبدأ المشكلات في المفاوضات القريبة المقبلة في مساحة زمنية لا تتعدى 11 شهرا، أي نهاية العام الجاري. الأمر الذي يطرح معضلة تمديد فترة المفاوضات، أو تنفيذ التهديد البريطاني القديم - الجديد بالخروج دون أي اتفاق، والاعتماد على قوانين منظمة التجارة العالمية. إنها "معركة" تجارية مثيرة جدا قبل نهاية العام.

إنشرها