التصميم التعاوني المعياري للمدن

|


بحلول عام 2045، سيزيد عدد سكان المدن حول العالم إلى ستة مليارات نسمة. ونتيجة لسرعة الزحف العمراني، الذي يزداد تعقيدا بسبب الصراعات والصدمات المناخية، تظهر تحديات غير مسبوقة أمام عديد من الدول النامية. وتدرك المدن في هذه الدول على نحو متزايد أهمية اعتماد توجهات مبتكرة شاملة إزاء تعزيز قدرة المناطق الحضرية على الصمود وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وثمة خطوة مهمة في بناء قدرة المدن على الصمود تتمثل في مساعدة الأطراف المعنية على التعاون بشأن وضع حلول للتحديات الحضرية. هنا يتجلى التصميم التعاوني المعياري للمناطق الحضرية.

ما التصميم التعاوني المعياري للمناطق الحضرية؟
التصميم المعياري أداة لإخراج نماذج لطائفة من التصميمات واسعة النطاق، مثل مخطط رئيس لمدينة أو حي، وذلك من خلال تغيير الأبعاد والاتجاهات والمواد وخصائص أخرى كي تعكس مناقشات المعنيين -ومن بينهم المواطنون والمجتمع المدني والممارسون وصناع السياسات- ومساعدتهم على التوصل إلى توافق على تخطيط الأحياء والمدن.
إن التصميم التعاوني المعياري للمناطق الحضرية يفعل ما هو أكثر من مجرد المساعدة على التجسيد الفوري للتصورات الخاصة بنماذج بناء المدن أو الضواحي. يبشر هذا الأسلوب بسد فجوة التواصل بين المختصين في بناء المناطق الحضرية والمجتمعات المحلية من جهة وبين الحكومات والدوائر الإدارية من جهة أخرى من خلال تحويل الوثائق الفنية إلى تصورات ومنتجات تفاعلية مرئية يمكن استيعابها بسهولة وتعديلها من قبل الجمهور. وهذا يعني أن ما جرت عليه العادة من قرارات تتخذ من القمة إلى القاعدة باتت اليوم تتخذ بتعاون تفاعلي من القاعدة للقمة.
لنأخذ مثالا لمدينة الفلوجة العراقية التي تعرضت لدمار واسع، فقد توقفت مرافقها كافة. وأثناء وضع تقييم الأضرار والاحتياجات في العراق الذي أجرته الحكومة العراقية عام 2017 بدعم من البنك الدولي والصندوق العالمي للحد من الكوارث والتعافي من آثارها وصندوق تدعيم قدرات الدول وبناء السلام، قدر تحليل بيانات الأقمار الصناعية تكلفة إعادة بناء الفلوجة ضمن أعلى تكلفة بين المدن العراقية من منظور الإسكان والخدمات البلدية والكهرباء والصناعة والتجارة. كما استعرض التقييم بيانا مفصلا لمدى الدمار الذي حل بالشوارع، ما سهل التخطيط الاستثماري لتعافي وإعادة بناء كل من القطاعات التي تضررت.
عندما يتعلق الأمر بالنسيج الحضري، يتكامل عديد من القطاعات ويعتمد كل منها على الآخر كي تقوم المدينة بوظائفها. ومن ثم، فإن التصميم التعاوني المعياري للمناطق الحضرية يمكن أن يسهل جهود إعادة إعمار الفلوجة ومدن أخرى أتى عليها الصراع -وذلك بمنح الأولوية للأحياء وتخصيص الخدمات البلدية المناسبة بناء على الاحتياجات الديموغرافية في أعقاب الصراع- جميعا بطريقة متكررة وتفاعلية تأخذ في الحسبان الأحوال المتغيرة لعودة السكان والاقتصاد.
يلعب البنك الدولي دورا رئيسا في دعم التعافي وإعادة البناء فيما بعد الصراعات في جميع أنحاء العالم. ويوسع نطاق المساندة للسلطات الإقليمية والمحلية والخدمات البلدية في دول كالعراق واليمن ونيجيريا وميانمار. ومع هذا، فكثيرا ما تواجه جهود إعادة الإعمار تحديات مثل ضيق الوقت، وضعف القدرة على التنفيذ، وانعدام المشاركة الاجتماعية وانتهاج أساليب بالية غير فعالة. لكن التصميم التعاوني المعياري للمناطق الحضرية يمكن أن يكون أداة أساسية في إطار العمل الإنمائي الذي يقوم به البنك الدولي، ويمكن أن يستخدم ثلاث طرق للمساعدة على إعادة بناء المدن بشكل أفضل وهي:
1. العمل التحليلي: يمكن أن يستخدم التصميم التعاوني المعياري لوضع تصورات للبيانات الحضرية التي تدعم التواصل وتمنح الأولوية للتنمية. ويمكن أيضا أن يدعم التصميمات والدراسات الخاصة بالمشاريع المتكاملة الكبرى لإعادة إعمار المناطق الحضرية قبل الشروع في الأعمال، وضمان الاشتمال للمواطنين، ودمج مختلف القطاعات لتحقيق التنمية الحضرية المستدامة.
2. العمل الإشرافي: التصميم التعاوني المعياري للمناطق الحضرية يمكن أن يساعد وكالات التنمية، كالبنك الدولي، على تقديم الدعم الفوري لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار ومتابعة سيرها حسب المدة المحددة، في الوقت الذي يتصدى فيه للعقبات التي تواجهها على الفور. وعلاوة على هذا، فإن العملية التعاونية تتيح لفريق المشروع تكييف مشاريع إعادة الإعمار دون الجور على الهدف منها من خلال التصدي للقضايا التي يمكن أن يثيرها المعنيون مبكرا وخلال سير المشروع.
3. الإعداد للمشروع: التصميم التعاوني المعياري للمناطق الحضرية يمكن أن يستخدم في دراسات الجدوى الخاصة بمشاريع إعادة الإعمار. أغلب الأدوات المتاحة خلال هذا النهج لا تقدم فقط تصورا للمشاريع الحضرية، بل يمكن أيضا برمجتها لتقدير تكاليف مشاريع فرعية محددة "على سبيل المثال: المدارس، المنشآت العامة، والوحدات السكنية" ويمكن تنقيحها أكثر عبر المشاورات وآراء الخبراء. هذه الدراسات الأولية للجدوى يمكن أن تساعد على وضع تفاصيل المشاريع القابلة للتنفيذ.
باختصار، يستفيد التصميم المرن للمناطق الحضرية من ثروة المعلومات المتاحة من أجل استكشاف طرق جديدة لوضع برامج إعادة إعمار المناطق الحضرية. هذا النهج يمثل فرصة لإعادة النظر في تشكيل النسيج الحضري من خلال دمج عديد من القطاعات المهمة، كالإسكان والأماكن العامة والتراث الثقافي والنقل والصناعة ومن خلال التكامل بين العمليات من القمة إلى القاعدة والعكس.

إنشرها