مؤشرات جديدة .. على طريق انهيار الاقتصاد الإيراني

|


يتحدث المحللون الاقتصاديون عن مشكلات نوعية يتعرض لها الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات الدولية، وبالذات العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على بيع النفط الإيراني في السوق العالمية.
ومنذ تسلم إدارة الرئيس دونالد ترمب مقاليد السلطة في الولايات المتحدة، فإن الحكومة الأمريكية حذرت حكومة الملالي من الاستمرار في مشروعها النووي، وقال ترمب إن حكومته ستعيد النظر في الاتفاقية التي وقعتها إدارة الرئيس أوباما مع حكومة الملالي. وفعلا بعد التحذير بوقت قصير قررت حكومة الولايات المتحدة عدم التزامها بأي اتفاقيات تخص المشروع النووي الإيراني، وطالبت حكومة الملالي بالتوقف تماما عن مشروعها النووي، وتوعدت الحكومة الإيرانية بمجموعة من العقوبات وعلى رأسها حظر بيع البترول في السوق البترولية العالمية.
من جهتهم فإن الملالي ــ كالعادة ــ ركبوا رؤوسهم وعادوا إلى التلويح بمشروعهم النووي، ثم ظلوا يتحدثون عن المراحل التي قطعها المشروع ويؤكدون أنهم ماضون في تنفيذه.
إزاء ذلك قامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية متصاعدة على إيران، وبسبب العقوبات الدولية، وبالذات الأمريكية تدهورت أحوال الاقتصاد الإيراني، ولكن إيران ظلت تتبنى سياسة السير على حافة الهاوية، ما اضطر الولايات المتحدة إلى إدخال مزيد من العقوبات.
وهكذا ظلت العلاقات الأمريكية - الإيرانية في حالة تصاعد حتى أوشكت على الصدام العسكري، وبالذات حينما استخدمت إيران أسلحة باليستية ضد حلفاء للولايات المتحدة في المنطقة، وكذلك حينما هاجمت إيران بعض السفن التجارية قبالة مضيق هرمز وأدخلت المنطقة في حالة من التوتر وعدم الاستقرار.
ومنذ عام 2018 بدأ الاقتصاد الإيراني يتدهور بشكل ملموس، وبدأ الشارع الإيراني يعيش أزمة اقتصادية حقيقية تلامس كل حياته، وبدأ الشعب الإيراني يعبر عن ضيقه واستيائه من الأزمة الاقتصادية التي طالت كل أحواله المعيشية، بل إن الأزمة الاقتصادية أجبرت الشعب الإيراني على الخروج إلى الشارع في مظاهرات شعبية عارمة تنادي بإسقاط الحكومة والإطاحة بالرئيس علي خامنئي.
ورغم أن هذه المظاهرات الشعبية قمعت بالقوة العسكرية وقتل فيها عدد كبير من المواطنين الإيرانيين إلا أن الأزمة الاقتصادية ظلت تفرض نفسها على الحكومة التي بادرت في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي وأعلنت قرارا مفاجئا بزيادة أسعار البنزين بين 50 في المائة إلى 300 في المائة ما أثار هلعا بين الإيرانيين الذين كانوا يمرون بأوضاع معيشية صعبة جراء الأزمة الاقتصادية، لأن الشعب الإيراني كان يعرف الارتباط الوثيق بين أسعار السلع والخدمات وأسعار البنزين، وفعلا تعرضت السوق الإيرانية لموجة جديدة من ارتفاع الأسعار، وإزاء ارتفاعات الأسعار في الشارع الإيراني عادت المظاهرات تجتاح مختلف المدن الإيرانية وتحتج على الحكومة بصرف الأموال على منظمات إرهابية في دول عربية مثل سورية واليمن ولبنان والعراق، وواجهت الحكومة الإيرانية نقصا يقدر بنحو عشرة مليارات دولار في موازنة 2019، ونتيجة لذلك هبطت العملة الإيرانية إلى نحو 130 ألف ريال للدولار الواحد.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإن الاتحاد الأوروبي منذ البداية اتخذ موقفا معارضا للولايات المتحدة، وكان دائما مع إبقاء الاتفاق النووي على قيد الحياة، وصرحت فدريكا موجريني مسؤولة السياسة الخارجية في عدة مناسبات أن الاتفاق النووي ما زال عنصرا رئيسا في مكافحة الانتشار النووي، وأن هذا الاتفاق مدعوم بالقرار الأممي 2231، لكن الآلية المالية لم تحقق تقدما ملموسا بسبب المخاوف من تحذيرات واشنطن للشركات الأوروبية بعدم التعامل مع إيران وإلا فإنها ستحرم من الوصول إلى شبكة المال الأمريكية، كما أن رفض إيران الامتثال لمعايير مجموعة مراقبة العمل المالي "فاتف" المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أحرج الاتحاد الأوروبي الذي حاول مرارا الضغط على حكومة الملالي ولكن دون جدوى، ونتيجة لذلك فإن العلاقات بين إيران ودول الاتحاد الأوروبي دخلت في منعطف الخلافات على خلفية إحباط عمليتين إرهابيتين نفذتهما إيران في أوروبا في صيف عام 2018 ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات على وزارة الاستخبارات الإيرانية، وإزاء ذلك اتهم المرشد الإيراني علي خامنئي الدول الغربية بطعن إيران في الظهر.
ووسط هذه الخلافات بين إيران من جهة وبين الولايات المتحدة ثم الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، فإن الاقتصاد الإيراني ظل يتعرض لضغوط اقتصادية حذر من تبعاتها صندوق النقد الدولي الذي أصدر تصريحا حذر حكومة الملالي من تورط الاقتصاد الإيراني في أزمة حادة، وناشد الحكومة الإيرانية إلى سرعة تسوية خلافاتها مع الولايات المتحدة.
والحقيقة أن من يدفع ثمن الأزمة الاقتصادية التي يعانيها الاقتصاد الإيراني هو الشعب الإيراني، ومع استمرار الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، فإنه لا يبدو في الأفق توجها نحو حل الأزمة، بل الواضح أن حكومة الملالي ما زالت مصرة على موقفها، وكذلك فإن الولايات المتحدة ما زالت تتشدد وتتدرج في زيادة العقوبات على الحكومة الإيرانية المتعجرفة. والمؤسف أن المواطن الإيراني هو من يدفع ثمن الموقف المتعنت لحكومة تركض وراء مشروع خاسر لا فائدة ترتجى منه وتراهن على قضية لا تشكل أهمية لدى الشعب الإيراني الذي يتمنى أن تنتهج حكومته سياسة تعود بالفائدة على الاقتصاد المحلي الإيراني وتعود بالفائدة على حياته المعيشية المأزومة.

إنشرها