الأندية الرياضية .. الحل في الخصخصة والأسهم الحرة

|


تدور الحوكمة في فلك أصحاب المصلحة، لذا فإن مفهوم أصحاب المصلحة أعقد المفاهيم وأصعبها تعريفا، وأفضل ما يقال عن أصحاب المصلحة: إنهم أصناف عدة، أولهم الذين على ارتباط وثيق جدا بأهداف صريحة في المنشأة وقاموا بالتضحية بمواردهم من أجلها، فلهم حق منع القرار أن يصدر، وثانيهم: من تؤثر قرارات المنشأة تأثيرا صريحا في أهدافهم ومواردهم، فلهم حق أن يعترضوا على القرار إذا صدر، وهناك من لهم مجرد اهتمام بأهداف المنشأة، لذا لهم حق الاطلاع على القرار إذا صدر، ومن أجل ذلك تقر الحوكمة بضرورة أن تكون تلك الأهداف واضحة معلنة بشكل لا لبس فيه، كما تقر الحوكمة بأن أفضل حماية للأهداف هو حماية القرار من أي تحيز لأي طرف سوى تحقيق الهدف نفسه، وتعمل على بناء خطوط دفاعية تضمن لأصحاب المصلحة حقوقهم: فمن لهم حق منع القرار يجب أن يجدوا تمثيلا قويا في مجلس الإدارة، بينما يجد النوع الثاني تمثيلا مناسبا ليصل صوتهم واعتراضهم في المجلس عند لحظة صنع القرار، بينما يحق للنوع الثالث أن يحصل على معلومات كافية في الوقت المناسب. وفي منظومة الأندية الرياضية تبدو هذه الأمور مختلطة بشكل يجعل الحوكمة فيها صعبة بل لا معنى لها من الأساس، وفي نظري من الصعب تطبيق مفهوم الحوكمة ما لم يتم إجراء تعديلات أساسية على لائحة الأندية الرياضية، هذه اللائحة التي خلطت الحابل بالنابل وقدمت وأخرت في أصحاب المصلحة على غير هدى ولا كتاب منير، ثم تأتي الهيئة العامة للرياضة بدعم ضخم للأندية الرياضية من أجل تطبيق الحوكمة، فعن أي حوكمة تتحدثون؟
تضع اللائحة ثلاثة مستويات للقرار في الأندية الرياضية، أولا الجمعية العمومية، ثانيا مجلس الإدارة، ثالثا الجهاز التنفيذي، وعرفت النادي وعرفت أهدافه، بمعنى آخر فإن أهداف النادي قد حسمت، ولم يعد لأي عضو في أي مستوى من هذه المستويات أي قدرة على تعديل أو تطوير هذه الأهداف، هنا نجد أن مفهوم أصحاب المصلحة قد تم تدميره بالكامل، وعلى الرغم من أن اللائحة قد عرفت النادي بأن له شخصية اعتبارية مستقلة إلا أنه لا معنى لاستقلال تم وضع أهدافه مسبقا، وأي استقلال هذا الذي يجعل النادي يخضع لإشراف الهيئة ومتابعتها في النواحي الإدارية والمالية؟ إن تعريفا مثل هذا ينسجم فقط مع فرع من فروع الهيئة العامة للرياضة أو إحدى مؤسساتها أو شركاتها، ولذا فإن صاحبة المصلحة الأساس وفقا لهذا التعريف هي الهيئة العامة للرياضة فقط، لكن هذا لا ينسجم بأي شكل من الأشكال مع واقع الأندية ولا حتى مع باقي مواد اللائحة.
الحوكمة صعبة طالما كانت العضوية استمارة من الهيئة، فالسؤال الذي يحير أي مختص في الحوكمة عن هذه العضوية هو الحاجة إليها طالما لا يمكن اعتبار هؤلاء الأعضاء من أصحاب المصلحة، وطالما لم تكن لهم أهداف صريحة في النادي، أهداف جاءوا للدفاع عنها وقدموا مواردهم من أجل تحقيقها، خاصة أن أهداف النادي والتزاماته قد تم تحديدها مسبقا، هنا يختلط الحابل بالنابل وتصبح الحوكمة سرابا يحسبه الظمآن ماء، فإذا كانت الحوكمة تبني خطوط الدفاع حماية للأهداف وإذا كان من يتم قبول عضويتهم دفعوا من مواردهم ولم يكن لهم أهداف غير التي تم إعلانها، فعن أي حوكمة تتحدثون؟ الحوكمة "ليبرالية" يا سادة وفي ليبراليتها لا تعرف كيف يمكن لأحدهم أن يضحي بموارده من أجل أن تتحقق أهداف غيره؟ الحوكمة تعرف أنها ستحمي أهداف من قدموا وضحوا بمواردهم.
في المادة السابعة تضع اللائحة إجراءات للعضوية تجعلك تدور حول نفسك؛ فمن يطالب بالعضوية ويدفع من أجلها فعليه أن يمر بالرئيس التنفيذي الذي سيعرض الطلبات على مجلس الإدارة للموافقة، وهذا معناه أن مجلس الإدارة الذي سينتخبه الأعضاء هو الذي سيقرر من هم هؤلاء الأعضاء الذين سينتخبونه، "كأننا والماء من حولنا"، ولا عجب عندي أن تصل اللائحة إلى هذه النتيجة التي تعصف بكل مفاهيم الحوكمة والاستقلال والمساءلة والشفافية إذا كانت لم تستطع تجاوز معضلة أصحاب المصلحة، الذين لهم الحق فقط في تحديد أهداف المنشأة. وأعتقد أن أي حوكمة للأندية الرياضية لن تنتهي بشيء يستحق الذكر، ولذا أقول إنها صعبة وقوية، ولن يصلح عطار الحوكمة ومستشاروها ما أفسدته اللائحة، ولن يحل المشكلة من جذورها إلا خصخصة الأندية الرياضية خصخصة تمكن أصحاب المصلحة من ممارسة حقهم المشروع في تحديد أهداف النادي وأولوياته، خصخصة تجعل عضوية النادي مقسمة أسهما حرة، فمن يرد أن يضع أهدافه في النادي فعليه أن يجمع من أسهم النادي ما يجعله الأكبر مصلحة فيه، ومن يرد أن يغير مسار ناد فعليه أن يغير شكل أصحاب المصلحة أولا، تلك هي الحوكمة وتلك هي ليبراليتها بخيرها وشرها.

إنشرها