حرائق أستراليا تحدث ظروفا جوية وبيئية خطيرة

|


دمرت حرائق الغابات غير المسبوقة في أستراليا ملايين الأفدنة على مدى عدة شهور. وبحسب تقديرات علماء البيئة قضت هذه الحرائق على ما يزيد على 480 مليون كائن حي من الثدييات والطيور والزواحف والبرمائيات والحشرات، إضافة إلى أكثر من ثمانية آلاف حيوان من حيوانات الكوالا وحدها في نيو ساوث ويلز، أي ما يعادل أكثر من 30 في المائة من إجمالي أعداد حيوانات الكوالا في المنطقة. وتواصل هذه الأرقام الارتفاع مع استمرار اشتعال الحرائق.
ودفعت الحرارة الناجمة عن هذه الحرائق عديدا من الحيوانات -مثل الكنغر- إلى الفرار. لكن ليست كل الكائنات الحية قادرة على الهرب، فهناك مثلا الطيور المستوطنة التي لا تستطيع الطيران أو التحليق بعيدا عن الأرض. والمحنة أسوأ بالنسبة لحيوانات الكوالا حيث تعاني هذه الفصيلة سريعة التأثر خسارة كبيرة في الموائل بالفعل، وحيوانات الكوالا بطيئة الحركة بطبيعتها ولا تستطيع الهروب من بين أشجار الأوكالبتوس سريعة الاشتعال. ولن يتمكن أحد من تقييم خسائر هذه الحرائق بالكامل قبل أن تخمد نهائيا.
وأصاب الدمار أنواعا أخرى كذلك مثل الحشرات التي تعد حيوية لعمليات التلقيح ودورات المغذيات فقد عانت بشكل كبير. ويخشى أيضا أن يهلك تماما عديد من النباتات النادرة التي لا توجد أدنى فرصة لإعادة استنبات أنواعها.
هذه الخسائر المذهلة تعرض عديدا من الأنواع والنظم البيئية في أستراليا إلى الخطر. ويدق النشطاء في مجال البيئة نواقيس الخطر بشأن تغير المناخ مطالبين بوقف قطع الأشجار واستخدام الفحم بسبب تفاقم ظروف حرائق الغابات.
وتكافح مرافق رعاية الحيوانات المختلفة من أجل مساعدة الحيوانات الباقية التي تواجه صعوبات في العثور على الغذاء والمأوى في أعقاب الحرائق. وهذه الحيوانات الباقية في النهاية وبعد أن تشفى ستكون بحاجة إلى العودة إلى موائلها الطبيعية.
وجرت العادة في مثل هذه الظروف أن تنصح السلطات المعنية بالحياة البرية بعدم إطعام الحيوانات البرية. لكن قسوة حرائق الغابات المدمرة هذه المرة دفعت السلطات إلى تغيير الرسالة المعتادة، حيث تشجع الناس الآن على توفير الغذاء والماء الضروريين للحياة البرية في المناطق المتضررة.
وتراوح مساحة الأراضي المتأثرة بين ما لا يقل عن 8.9 مليون فدان في نيو ساوث ويلز، و2.9 مليون فدان في أستراليا الغربية، و1.8 مليون فدان في فيكتوريا، و618 ألف فدان في كوينزلاند، و250 ألف فدان في جنوب أستراليا.
وتحذر السلطات من أن الشراسة غير المسبوقة لحرائق الغابات في أستراليا يمكن أن تنتج نظم طقس متطرفة وظروفا جوية خطيرة وغير متوقعة فيما يعرف باسم ظاهرة الغيوم الحارقة. وترتبط هذه الظاهرة بالسحب الحاملة للنار وهجمات الجمرات الحارقة والأعاصير المدفوعة بالنيران والعواصف الرعدية التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من حرائق الغابات. ويرى مستشار مجلس المناخ الأسترالي أنه من المرجح أن تنتشر هذه الأحداث مع استمرار تغير المناخ وزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة. والأكثر إثارة للقلق أن هذه الغيوم الحارقة يمكن أن تجعل جهود مكافحة الحرائق أكثر صعوبة.
ولفت شين فيتزسيمونز رئيس هيئة خدمات الحرائق الريفية في نيو ساوث ويلز الانتباه إلى هذا الوضع عندما توفي رجل إطفاء يعمل في الهيئة بسبب الظواهر الجوية الغريبة المرتبطة بالحرائق. وصرح فيتزسمونز قائلا: "لقد أسفر هذا الحدث الاستثنائي عن حالة إعصارية أدت إلى انقلاب شاحنة تزن عشرة أطنان رأسا على عقب، فهذا مؤشر على حجم التقلب والخطر الجوي الموجود".
ووفقا لدراسة أجرتها دورية معنية بعلوم المناخ والغلاف الجوي فقد تمت ملاحظة العواصف الرعدية الناجمة عن حرائق الغابات أو الغيوم الحارقة من قبل في مناطق أخرى من كوكب الأرض، وتم اكتشافها أول مرة في العقد الأول من القرن الـ21. وكان يعتقد في البداية أنها ناتجة عن الثورات البركانية إلى أن أعيد تصنيفها وتوصيفها بأنها ناجمة عن حرائق الغابات. ولا شك أنه لا تزال دراسة الغيوم الحارقة المرتبطة بحرائق الغابات علما ناشئا لم يحظ بعد بالبحث العلمي المنهجي.
وهناك عدة عوامل تجعل الغيوم الحارقة قوة هائلة في الغلاف الجوي، حيث يمكن أن تتسبب سرعة تكونها وتغيرها إضافة إلى الحرارة الناتجة عن حرائق الغابات في حدوث تقلبات سريعة في درجات الحرارة، وهذا بدوره يعزز حالة الرياح الشديدة التي لا يمكن التنبؤ بسلوكها وتزيد شدة الحرائق. ومن ثم فإن ديناميكيات الغيوم الحارقة وقوتها التدميرية يمكن أن تعرض حياة كل من رجال الإطفاء والجمهور للخطر.
وجاء في صحيفة "الجارديان": "يخشى رجال الإطفاء من عواصف ظاهرة الغيوم الحارقة بسبب الظروف العنيفة وغير المتوقعة التي تحدثها هذه الظاهرة على الأرض، حيث إن ظاهرة الغيوم الحارقة ليست قادرة على إيجاد صواعق البرق وزخات البرد فقط، لكن يمكنها أيضا توليد هجمات الجمرات الساخنة التي تكفي لبدء حرائق جديدة على بعد قد يصل إلى 30 كيلومترا من الحريق الرئيس".
ويضيف الدكتور أندرو دودي عالم الأرصاد الجوية في مكتب الأرصاد الجوية الأسترالي أن زيادة الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي وأزمة المناخ الناتجة عن ذلك يجعلان الظروف مؤاتية لحدوث ظاهرة الغيوم الحارقة.

إنشرها