خفض البطالة عن طريق شركات الهندسة والتشغيل

|


تتصدر البطالة جميع القضايا الوطنية على الصعيد العالمي، بما في ذلك الدول النامية؛ وهذا الأمر يفرض واقعا شديد الحساسية لأي صانع قرار اقتصادي.
البطالة تأتي نتيجة عوامل ومؤثرات اقتصادية، بعضها بسيط أو شديد التعقيد، خاصة إذا كانت البطالة ناتجة عن ضعف الإنتاجية العامة للشعوب؛ لأسباب اجتماعية أو حديثة النشوء المدني أو عوز تنافسية الأجور والخبرات بين المواطنين والمغتربين كما في دول الخليج العربي، ولا سيما عندما يكون المغتربون قادمين من دول ذات اقتصادات أقل من دول الخليج.
مقال اليوم أزعم أنه يعتمد على الديناميكيات التي تعد مسببات جوهرية لحالة البطالة في السعودية وبعض دول الخليج. لعل أول تلك المسببات تلاشي الأعمال الحرة والمهن العائلية في كثير من الأسر الخليجية، وعلى وجه التحديد السعودية ذات الاقتصاد الأكبر في المنطقة، ولا سيما بعد الطفرات النفطية التي تحققت في كثير من دول الخليج وسيادة الوظائف الحكومية غير الاستثمارية؛ ما شكل نموذج عمل قد لا يستطيع الصمود مع تراجع النفط. وقد ترافق مع هذا المؤثر الجوهري، فقدان الخبرات المهنية المتراكمة التي تشكل شركات خاصة، كما حصل في ألمانيا عندما استطاع المواطن الألماني أن يواصل تطوير مهنة الأجداد. أما المسبب الثاني في بطالة بعض المواطنين، فلأن اليد العاملة القادمة من الدول الأفقر كانت أمرا حاسما في عدم جاذبية وظائف القطاع الخاص؛ لأن الشركات أدمنت على الأجور الرخيصة في مقابل الاستئثار بالأرباح عبر عقود من الزمن؛ أدى ذلك إلى وجود انكشاف مهني واقتصادي في الوقت نفسه مدعوم بعوامل أخرى جعلت البطالة ومعدل النمو على طرفي نقيض، وعزز من ذلك استخدام التأشيرات محفزات اقتصادية، جعلت خفض بطالة المواطنين بمعدلات مقبولة أمرا صعبا.
من المثير للاهتمام، أن القطاع الخاص لا يزال غير متفاعل بالدرجة الكافية مع الاتجاهات الاستراتيجية في السياسات الاقتصادية والقوى البشرية من حيث زيادة معدل توظيف المواطنين، على الرغم من الزخم الذي نراه عند تولي أي وزير حقيبتي الاقتصاد أو العمل، لكن تظل النتائج دون المأمول؛ وعليه لا يمكن لوم القطاع الخاص أو المسؤول الحكومي ما لم نضع حلولا قابلة للتطبيق ومنسجمة مع ديناميكيات القوى البشرية السعودية المسببة للبطالة وهيكل الاقتصاد الوطني.
أخيرا، في ظل الديناميكيات المسببة لبعض أنواع بطالة السعوديين، نحتاج إلى وضع حلول تعالج ذلك من خلال الشركات الحكومية الاستثمارية، ولعل مجالي الهندسة والتشغيل والصيانة ملائمان كمرحلة أولى في مكافحة البطالة الناتجة من فجوة المنافسة في الأجور بين السعوديين والأجانب؛ كما أن شركات الهندسة والتشغيل والصيانة من أكثر القطاعات التي يمكن أن تستوعب السعوديين إذا ما كانت شركات حكومية وبرواتب جيدة في ظل ضعف القطاع الخاص أصلا، إضافة إلى أن هذه المبادرة تعد مبادرة اقتصادية وليست تنظيمية.

إنشرها