حتى نتفادى الآثار العكسية

|

امتدادا للحديث عن أهمية إعادة التوازن إلى الحلول الراهنة لأجل تملك المساكن، وضرورة الأخذ في الحسبان من لدن أي واضعي سياسات أو برامج لمعالجة أي من التحديات التنموية التي قد يواجهها الاقتصاد أو المجتمع، أؤكد أن يؤخذ في الحسبان المتغيرات الأخرى المتوقع تأثرها بأي إجراءات ستتخذ في مجال معين من الاقتصاد الوطني، قد يكون لها انعكاسات أو آثار ستظهر لدى بقية قطاعات ونشاطات الاقتصاد الوطني، ولا يمكن فصل حيثيات أي سياسة اقتصادية في مجال بعينه عن بقية المجالات الأخرى، وهكذا هو علم الاقتصاد المعني بدراسة وتحليل العلاقة بين المتغيرات الكامنة فيه، ولا مجال لتجاهل آثار ما قد يطرأ على متغير ما من تطورات على بقية متغيرات الاقتصاد.
قياسا على الآلية الراهنة التي تخضع لها عمليات سداد القروض المصرفية ومن مؤسسات التمويل، على اختلاف أنواعها، استهلاكية أو عقارية أو أي نوع من منتجات الإقراض الحديثة التي أصبحت في متناول يد الأفراد، وما قد تصل إليه في بعضها إلى استقطاع نسب تراوح بين 50 و65 في المائة من الدخل الشهري للمقترض، وقد نجد فتراتها تمتد إلى مدد زمنية طويلة تتجاوز 20 عاما، كالقروض العقارية، فلا بد من الأخذ في الحسبان نتائج مهمة كالتي أظهرها أحدث مسوح الدخل وإنفاق الأسرة 2018، الصادر أخيرا عن الهيئة العامة للإحصاء، التي أظهرت على مستوى توزيع الإنفاق الاستهلاكي للأسرة السعودية، استئثار الإنفاق على "الأغذية والمشروبات، السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى، الصحة، النقل، السلع والخدمات الشخصية المتنوعة" بأعلى من 72.1 في المائة من إجمالي متوسط الإنفاق الاستهلاكي الشهري للأسرة السعودية.
أمام تلك النتائج؛ ستصبح الآلية الراهنة لاستقطاع أي من تلك القروض المصرفية بشكل عام، والقروض العقارية على وجه الخصوص، بتلك المعدلات المرتفعة من الدخل الشهري لمدد زمنية طويلة، أمرا يقتضي اتخاذ أعلى التدابير الوقائية للأطراف كافة، الأفراد والأسر من جانب، والمؤسسات الممولة من جهة أخرى، والاستقرار الاقتصادي والمالي بالأهمية نفسها، الذي يكفل المحافظة على اتزان واستقرار مقدرات كل طرف من الأطراف.
فعلى مستوى الأفراد والأسر، المحور الأول في المعادلة أعلاه، فإن اضطرار كثير من الأفراد للتوقيع على اتفاقيات تمويل عقاري تمتد فترات سدادها إلى 20 عاما فأكثر، وبمعدلات استقطاع تتجاوز نصف الدخل الشهري، يعني في الوقت ذاته، وفقا لنتائج مسح الدخل وإنفاق الأسرة المشار إليه أعلاه، أن الفرد بكل تأكيد سيضطر إلى تقليص أجزاء كبيرة جدا من إنفاقه الاستهلاكي على تلك البنود الأساسية واللازمة لمعيشته وأسرته معه! دع عنك بقية البنود الأخرى من الإنفاق الاستهلاكي للأسرة السعودية، التي لم يأت ذكرها أعلاه "الأقمشة والملابس والأحذية، تأثيث وتجهيزات المنزل، الاتصالات، الترفيه والثقافية، التعليم، المطاعم والفنادق، دون الاهتمام بالتبغ"، وتستقطع في المتوسط ما تصل نسبته إلى 27.9 في المائة من إجمالي متوسط الإنفاق الاستهلاكي الشهري للأسرة السعودية، التي ستتأثر بالانخفاض الكبير بكل تأكيد، بالموازاة مع تلك الاستقطاعات العالية من الدخل الشهري للأفراد وأسرهم.
الحديث هنا يمتد في تفاصيله؛ إلى الآثار العكسية المحتملة على المستوى المعيشي للفرد وأسرته لمدد زمنية طويلة الأجل، سينتقل بدوره للتأثير في مختلف نشاطات الاقتصاد الوطني المستثمرة في مجالات وقطاعات تقديم منتجات وخدمات بقية بنود الإنفاق الاستهلاكي، التي ستتعرض مع زيادة أعداد المقترضين للقروض العقارية طويلة الأجل من المواطنين، إلى ضغوط عاما بعد عام، نتيجة تقلص الإنفاق الاستهلاكي الخاص على منتجاتها وخدماتها محليا.
فوفقا لنتائج مسح دخل وإنفاق الأسرة 2018، بلغ متوسط الإنفاق الاستهلاكي الشهري للأسرة السعودية 14.6 ألف ريال شهريا، وفي بيانات رسمية أخرى للهيئة العامة للإحصاء، وصل عدد الأسر السعودية خلال 2018 إلى نحو 3.6 مليون أسرة، ما يعني أن متوسط الإنفاق الاستهلاكي الشهري للأسر السعودية يقدر شهريا بنحو 52.4 مليار ريال، ويبلغ تقديريا نحو 628.5 مليار ريال سنويا. وبالعودة إلى التوزيع أعلاه لبنود الإنفاق الاستهلاكي الرئيسة "الأغذية والمشروبات، السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى، الصحة، النقل، السلع والخدمات الشخصية المتنوعة"، يمكن تقدير حجم الإنفاق الاستهلاكي الشهري عليها بنحو 37.8 مليار ريال "453.2 مليار ريال سنويا"، فيما يقدر الإنفاق الاستهلاكي على بقية بنود الإنفاق "الأقمشة والملابس والأحذية، تأثيث وتجهيزات المنزل، الاتصالات، الترفيه والثقافية، التعليم، المطاعم والفنادق، التبغ" بنحو 14.6 مليار ريال شهريا "175.2 مليار ريال سنويا".
إن ما تقدم يقتضي إعادة نظر بشمولية أكثر تجاه ما قد تترتب عليه بعض السياسات أو البرامج المتركزة على جوانب تنموية بعينها، والعمل مجددا على إعادة تصميمها بما لا يخلف آثارا عكسية على بقية نشاطات الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.

إنشرها