مع الأسف، بالنسبة إلى مواطن في ريو دي جانيرو وبقية الملايين من محبي كرة القدم في البلاد، قد يكون ملاذهم الأخير تحت التهديد، الآن.
يمكن بسهولة شرح الشعبية المستمرة لكرة القدم في البرازيل، على أساس أن "السياسة عندنا ليست جيدة، لذا فإن كرة القدم مهرب بالنسبة إلينا" على حد قول مواطن برازيلي.
بعد أعوام من سوء الإدارة والفساد المالي، أصبح بعض أكبر الأندية في البرازيل على وشك الانهيار، ويتوقع أن يفشل بعضها تماما في أقرب وقت من العام المقبل. قال سيزار جرافيتي خبير اقتصادي رياضي في المصرف البرازيلي إيتايأوني بانكو: "لن يستطيع بعض الأندية النجاة في 2020".
في العقد الماضي، ارتفع الدين المتراكم لـ20 فريقا من الأفضل في الدوري في البلاد 176 في المائة إلى 6.9 مليار ريال برازيلي (1.7 مليار دولار، حتى مع زيادة الإيرادات من حقوق التلفزيون 160 في المائة، لتصل إلى ملياري ريال برازيلي).
ما يزيد الأمر تعقيدا، حسبما يقول المحللون، أن الأندية نفسها تقاوم الإصلاح ذاته اللازم لإنقاذها، عبر جرعة من الإدارة الاحترافية.
قال أمير سوموجي، مدير "سبورتس فاليو"، وهي مجموعة تعمل في مجال المعلومات المتعلقة بالسوق: "المشكلة في كرة القدم البرازيلية هي انعدام المهنية. إن الأندية تدار كأنها ممتلكات شخصية".
وفي الجوهر رفضت السلطات الرياضية البرازيلية تحويل اللعبة، لتلبية متطلبات المنافسة العالمية.
على النقيض من أوروبا، حيث تهيمن على اللعبة بطولات احترافية وتتبنى الأندية هياكل الشركات، تتشبث البرازيل بنموذج النادي التقليدي.
تدار أكبر الفرق في البلاد، مثل "كروزيرو" و"كورينثيانز" و"ساو باولو"، باعتبارها مؤسسات غير ربحية، مع اختيار المديرين التنفيذيين الأقوياء عن طريق التصويت الشعبي من قبل أعضاء الأندية.
يقول النقاد إن النتيجة هي سوء الإدارة المالية وفي بعض الحالات الكسب غير المشروع.
قال سوموجي: "نظرا لأن المسؤولين التنفيذيين غير مسؤولين أمام أي مالك، فإنهم لا يستثمرون، بل يفعلون أشياء سيئة للعلامة التجارية. وفي النهاية يغادرون بعد فترة ثلاثة أعوام".
قال جرافيتي: "تنفق معظم الأندية أكثر مما تجمع. ثم يلتقطون أنفاسهم من خلال بيع اللاعبين".
وفقا لـ"فيفا" الهيئة الإدارية لكرة القدم العالمية، تصدر البرازيل عددا من اللاعبين أكبر من أي دولة أخرى، أكثر من 1000 كل عام، ما أثار غضب المشجعين وأضر بجودة كرة القدم في البلاد.
قصة نادي كروزيرو أوضحت كثيرا فيما يتعلق بذلك. منذ أكثر من عام واجه مجلس إدارة فريق ميناس جيرايس تحقيقات من قبل الشرطة، فيما يتعلق باشتباه غسل أموال واحتيال.
مع بلوغ الدين أكثر من 100 مليون دولار هذا العام، توقف النادي عن دفع رواتب اللاعبين.
بعد موسم مؤسف ومرير، تم خفض النادي هذا الشهر إلى الدرجة الثانية، للمرة الأولى في تاريخه.
نجاة "كروزيرو" محل تساؤل الآن، مع احتمال تضرر الشؤون المالية أكثر من خلال انخفاض إيرادات حقوق التلفزيون، ومبيعات التذاكر في الدرجة الأدنى.
نحو 40 في المائة من إيرادات الأندية البرازيلية تأتي من حقوق التلفزيون، في حين أن 24 في المائة إضافية تأتي من انتقال اللاعبين، وفقا لدراسة صادرة من "سبورتس فاليو".
"في كرة القدم، هناك عولمة جارية، مع ذلك لاتحصل البرازيل على استثمارات من أي مكان. كيف يمكن أن تفسر كون البلد أيقونة لكرة القدم عندما يذهب أفضل اللاعبين إلى مكان آخر؟
"قال بيدرو ترينجروس، وهو محام في مجال الرياضة في مؤسسة جتوليو فارجاس Getúlio Vargas.
كي يحصل فريق كرة القدم على استثمارات قانونية في البرازيل، سيحتاج إلى اعتماد هيكل شركة رسمية. مع ذلك، تم رفض مثل هذه التحركات تاريخيا من قبل إدارة الأندية، التي قد تخاطر بفقدان مراكزها في حالة إجراء إعادة تنظيم مهني.
ثلاثة ملايين وظيفة هو العدد التقديري للوظائف التي يمكن أن توجدها كرة القدم البرازيلية، لو أن الأندية كانت تدار باحتراف، مقارنة بـ300 ألف في الأندية الآن، ما يتطلب أيضا دفع مزيد من الضرائب بموجب هذا الهيكل.
في الوقت الحالي إنهم مؤهلون لمعدل أقل يتم فرضه على المنظمات غير الربحية والمؤسسات الخيرية.
كما أنهم يستفيدون أيضا من أصحاب المناصب ذوي السلطة المتعاطفين، الذين عالجوا تاريخيا التجاوزات المالية لأصحاب الأدوار الريادية للثقافة البرازيلية، بلمسة خفيفة.
قال ترينجروس: "لماذا تدفع الأندية ديونها إذا لم يكن هناك أحد مسؤول عن ذلك؟ لماذا سيدفعون إذا كانت الحكومة لا تفرض ذلك؟"
يتضح الانزعاج في المباريات الوطنية في بلد يشتهر بحبه لكرة القدم بجلاء في أيام المباريات، عندما تكون الملاعب مشغولة في المتوسط بأقل من نصف السعة، على عكس البطولات الأوروبية الرائدة، إذ عادة ما يتم لعب مباريات المستويات العالية أمام حشود مكتظة.
يشير النقاد أيضا إلى تكلفة الفرصة للنهج الحالي. توصلت دراسة أجرتها مؤسسة جيتوليو فارجاس Getúlio Vargas إلى أنه إذا تمت إدارتها بشكل صحيح، يمكن أن تسهم كرة القدم 1.1 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل، وتوجد ثلاثة ملايين وظيفة، بزيادة من 0.2 في المائة و300 ألف الآن.
قال ترينجروس: "نحن من ندفع تكلفة عدم الكفاءة النظامية في كرة القدم البرازيلية".
يستشهد المحللون بعديد من الأمثلة الدولية التي يمكن للبرازيل أن تحذو حذوها، ولا سيما الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي يولد نجاحه العالمي مليارات الدولارات من حقوق التلفزيون.
"يمكن للبرازيل أن تكون مثل السوق الإنجليزية، لكنهم كسالى هنا" حسبما قال سوموجي، مشيرا إلى عدم رغبة الأندية في المشاركة في إعادة هيكلة مالية جدية، أو وضع مصادر بديلة للإيرادات من خلال إشراك المعجبين أو تنشيط العلامة التجارية.
هناك استثناء واحد ملحوظ. في 2012، تم انتخاب مجموعة من المعجبين لعضوية مجلس إدارة "فلامنجو" في منصة لجلب الإدارة الاحترافية إلى ناد على شفا حفرة الإفلاس.
بدأ الفريق على الفور إعادة هيكلة الديون، والتوقيع على صفقات الرعاية وإعادة التفاوض على صفقات مع لاعبين ووكلاء ومدربين وموظفين.
نتج عن التغييرات أموال تم إنفاقها على تطوير النادي وبعد أعوام من الركود، فاز "فلامنجو" الشهر الماضي بالدوري البرازيلي وكأس ليبرتادوريس -دوري أبطال أمريكا الجنوبية- وأنهى كأس العالم للأندية التابع لـ"فيفا" في المركز الثاني في عطلة نهاية الأسبوع.
قال واليم فاسكونسيلوس، نائب الرئيس في "فلامنجو": "إذا كنت تملك إدارة جيدة ومصداقية فستحصل على مزيد من المال".
وأضاف "إذا كان لديك مزيد من المال، يمكنك الاستثمار. لا يوجد سحر في الأمر".

