المستقبل آسيوي «2»

|


الغزو الياباني لبعض دول آسيا كان بداية النهاية للاستعمار الغربي في آسيا إلى أن وصلنا إلى الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان واحتلالها حتى 1952، فسقوط اليابان سبب فراغا جيواستراتيجيا في المنطقة استقر بوجود أمريكي وتنافس بسبب الحرب الباردة غالبا والحارة أحيانا على أثر الحرب الكورية من ثم حرب فيتنام. فترة الاستقرار أعطت أغلب دول المنطقة فرصة للمراجعة ولإعادة التمركز، فاليابان تفرغت لإعادة الإعمار وكوريا للتحديث، والصين لإعادة التموضع والتصنيع، واستقلال واستقرار الهند وباكستان وإندونيسيا وماليزيا، بينما استطاعت تايلاند الإفلات من قبضة الاستعمار بالمناورة بين اليابان والغرب. تنازعات ومنافسات الحرب الباردة ساعدت دول المنطقة على التحفيز للتحديث والتقدم والتواصل. أيضا في غرب آسيا بدأت دول المنطقة في الاستقلال ومحاولة الاتحاد أحيانا. بدأت دول غرب آسيا كأنها تحاول التعلم من دول شرق آسيا. المحصلة: إن شعوب ومجتمعات آسيا بدأت تعيد التواصل من خلال الهجرة والتجارة، فمثلا يذكر الكتاب أن العرب تعلموا صناعة الورق من السجناء الصينيين على أثر هزيمة العرب لإمبراطورية تانج الصينية في 751م. اليوم هناك عودة لإعادة الثقة بالثقافات القديمة والمراكز الحضرية المؤثرة والكبيرة مثل مدن شنغهاي وبكين وشنزن وطوكيو وسيئول ودلهي ومومباي، فهذه أصبحت أكثر ديناميكية وحيوية من باريس ولندن.
البعض في شرق آسيا وجنوبها يعتقد أن الوجود والاستعمار الغربي جاء مصادفة والدفاع أكثر منه رغبة وذلك على أثر هزيمة المسلمين لأوروبا والاستيلاء على القسطنطينية ما أثار غريزة الغرب للتوسع. فاليابان حاصرت آسيا من الدفستك الروسية إلى دارون في أستراليا قبل الحرب العالمية الثانية.
والآن الاهتمام مركز على حذر من التوسع الصيني فالحالة الآسيوية هي الغالبة وستستمر. يعود الكاتب إلى العوامل الثقافية خاصة الدينية وطورها في النسيج الاجتماعي الآسيوي، إذ عدا المغول أغلب الأديان تميزت بالتسامح وقبول الآخر حتى المغول لم يسعوا لنشر دينهم بل إن بعضهم أخذ بالأديان الأخرى، اليوم كل آسيا عدا الفلبين ليست مسيحية، اليوم الإسلام في غرب آسيا والكنفوشيسية في شرق آسيا لا يخشى بعضهما بعضا. هذا التواصل الجغرافي والثقافي والتجاري، فالتجارة بين المناطق الآسيوية استمرت أعلى منها مع الدول الغربية حتى بداية القرن الـ19. التاريخ والثقافة يسهلان التواصل ويؤسسان لمجتمع آسيوي جديد. عنوان مرحلة التحول الجديد رغبة الآسيويين في التعلم من بعضهما بعضا، اليوم نسمع كثيرا عن نموذج النمور الآسيوية ونجاح هونج كونج وسنغافورة ودبي. على الرغم من التخلص من الاستعمار إلا أنه ما زال هناك بعض التبعات خاصة في المنطقة العربية وشبه القارة الهندية لكن في الأغلب انتهى الاستعمار، فتجربة أمريكا الأخيرة في أفغانستان والعراق تجربة مكلفة وفاشلة.
التشكيل الجديد أو ربما العودة إلى الماضي تعبير لعودة آسيا العظمى بعد حقبة الاستعمار وانقسامات الحرب الباردة ، فكل مناطق آسيا تميل للتركيز والانشغال حسب ظروفهم، لروسيا وتركيا وضع خاص كونهما جسورا آسيوية أوروبية، في الماضي القريب كان مركز اهتمام تركيا أوروبيا، لكن اليوم نلاحظ أن الاهتمام بدأ يميل نحو آسيا، فعلى الرغم من أن 80 في المائة من سكان روسيا في أوروبا إلا أن 80 في المائة من الأراضي في آسيا، فالثروات الروسية من النفط والغاز في آسيا ويتجه أغلبها لأسواق آسيا. اليابان وأستراليا الأكثر علاقة مع الغرب لكنهما بدأتا تكتشفان جاذبية البعد الآسيوي. قبل إعلان إدارة أوباما التحول نحو آسيا أخذت روسيا خطوات عملية نحو التحول رغم أن نحو نصف تجارة روسيا لا يزال مع أوروبا. الترابط الروسي الصيني يأتي على خلفية خلاف أمريكي صيني. كذلك تركيا خاصة بعد تردد وربما رفض أوروبي قبول تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي ما جعل تركيا -خاصة بعد وصول أردوغان للسلطة- تتجه إلى آسيا بنزعة قومية دينية وتجارية، خاصة أن هناك أعدادا كبيرة في أواسط آسيا من أصول تركية، فأغلب سكان تركيا في آسيا مختلفون. عماد غرب آسيا المملكة وتركيا وإيران، فهذه الدول تشكل عماد القارة من غربها وكلها تشترك في الاهتمام بالعلاقة مع شرق آسيا. هذا التمحور الآسيوي له مدلولات وتوجهات اقتصادية. في العمود القادم سنركز على الاقتصادات الآسيوية.

إنشرها