القادم على سوق العقار بعد القروض العقارية

|

قد لا يدرك كثير من المتابعين لتطورات السوق العقارية، حجم التأثير الكبير الذي أحدثه ضخ أعلى من 76 مليار ريال كقروض عقارية ودعم طوال 11 شهرا مضت من العام الجاري، في أداء السوق العقارية وتحديدا القطاع السكني، وأثره التالي في مستويات الأسعار السوقية، لما تمثله تلك السيولة الهائلة من ثقل كبير جدا على حجم النشاط العقاري، الذي شكل نحو 61 في المائة من إجمالي قيمة الصفقات العقارية في القطاع السكني (125.1 مليار ريال)، وأعلى من 46.3 في المائة من إجمالي قيمة صفقات السوق العقارية (164.3 مليار ريال) طوال الفترة الماضية من العام الجاري.
إن عودة للوراء عدة أعوام قليلة كعام 2014 كونه يمثل ذروة السوق العقارية، ستكشف لك حجم التأثير الذي يجري الحديث عنه هنا، ممثلا في حجم التمويل العقاري الضخم الذي دخل أحشاء السوق العقارية. ففي ذلك العام وصل إجمالي قيمة الصفقات العقارية إلى أعلى من 441.2 مليار ريال وتجاوزت قيمة صفقات القطاع السكني في ذلك العام سقف 294.1 مليار ريال، وهو ما أفضى في وقته إلى صعود مستويات الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية إلى مستويات غير مسبوقة، ورغم كل ذلك لم تتجاوز نسبة التمويل العقاري بكل أنواعها خلال ذلك العام سقف الـ10 في المائة.
ولك أن تتصور في تلك الفترة الماضية، ماذا كان سيحدث للأسعار السوقية حينئذ لو شهدت السوق العقارية، خاصة في القطاع السكني، ضخا للتمويل العقاري يماثل نسبه المتحققة الراهنة (نحو 61 في المائة من إجمالي قيمة الصفقات العقارية للقطاع السكني)؟ الإجابة بالتأكيد ستذهب إلى اليقين بوقوفنا جميعا أمام مستويات تاريخية للأسعار السوقية، ستكون أعلى بكثير مما وصلت إليه خلال ذلك العام الذي يمثل ذروة السوق العقارية المحلية.
الإجابة السابقة تبين للقارئ الكريم جزءا كبيرا من أسباب عودة أسعار العقار للارتفاع خلال العام الجاري، بعد نحو أربعة أعوام من التراجع، فقدت خلالها الأسعار المتضخمة ما بين 26 و51 في المائة من مستوياتها، لتعود للارتفاع مجددا نتيجة الضخ الكبير للتمويل العقاري، الذي كان أشبه بسيل أمطار هطلت على أراض خلت من الماء طوال أعوام مضت، لتعود الأسعار للارتفاع مجددا بنسب وصلت إلى نحو 49 في المائة خلال العام الجاري، مقارنة بمستوياتها الأدنى التي سجلتها خلال عام 2018، ولو أن العوامل الاقتصادية الأخرى ذات العلاقة القوية بتطورات ونشاط السوق العقارية، كانت في وضع مقارب لما كانت عليه خلال 2014 وما سبقها (ارتفاع أسعار نفط، تشوهات سابقة للاقتصاد والسوق.. إلخ)، لشهدنا خلال العام الجاري مستويات للأسعار السوقية تفوق جميع المستويات التاريخية التي وصلت إليها أسعار العقارات باختلاف أنواعها في أعوام سابقة.
إنما هو من حسن الحظ أن شيئا من ذلك لم يحدث، بل على العكس أسهمت العوامل الاقتصادية بوضعها الراهن في الحد كثيرا من تشكل موجة تضخمية كاملة، كانت ستعصف بالأخضر واليابس في السوق العقارية على مستويات الأسعار، على الرغم من أن جزءا لا يستهان به من الآثار العكسية على مستوى تضخم الأسعار، وارتفاع حجم المديونيات العقارية على نحو 186 ألف مقترض عقاري جديد (نحو 52.5 في المائة من إجمالي المقترضين عقاريا البالغ عددهم حتى تاريخه نحو 354 ألف مقترض)، وتحت ظروف ارتفاع حدود استقطاع سداد أقساطها الشهرية لأعلى من 50 في المائة من الأجور الشهرية، كل تلك التطورات لا شك أنها تحمل مؤشرات عكسية على مستويات المعيشة للمقترضين، ومستوى حجم الإنفاق الاستهلاكي الكلي للأفراد بحال ازدادت أعداد المقترضين ووصلت إلى مستويات أعلى بكثير مما وصلنا إليه حتى تاريخه.
بدأت السوق العقارية منذ الشهر الماضي تظهر تحولات جديدة، أفضت إلى تراجع حجم نشاط السوق العقارية المحلية بأعلى من 21 في المائة، مقارنة بالشهر الأسبق، وبدأت قوة ضخ التمويل العقاري في التراجع تدريجيا، ويتوقع أن تستمر في سلوكها ذلك لتضاؤل أعداد المقتدرين على الاقتراض عقاريا وفق المعطيات الراهنة، ووفق المستويات الراهنة للأسعار التي عادت مرة أخرى لدائرة التضخم، وبناء على تلك المستجدات وعودة السوق العقارية للخضوع بنسبة أكبر للعوامل الاقتصادية والاجتماعية، وتحت الأوضاع المعيشية ووفق قدرات دخل الأفراد، كل ذلك سيكون له دور إيجابي في نزع مخالب التضخم السعري الذي عاد طوال الفترة الماضية من العام الجاري لتخضع السوق العقارية المحلية مجددا للعوامل الاقتصادية الأساسية، التي ستسهم بداية في الحد من ارتفاع الأسعار، ثم عودتها مجددا لوتيرة الانخفاض التي خرجت منها طوال 11 شهرا مضت، وهو بكل تأكيد أمر إيجابي لجميع أفراد المجتمع الباحثين عن تملك مساكنهم بمستويات سعرية أدنى، وأكثر عدالة وأقل تكلفة على كاهلها، وهو ما سيتم تسليط الضوء عليه بصورة مستمرة في المستقبل، والاطلاع عن قرب على مستجدات ما سيأتي بمشيئة الله تعالى على أداء السوق العقارية المحلية.

إنشرها