إذا ظل التحسن المتوقع للنمو العالمي محاطا بعدم اليقين وتعرض لمخاطر التطورات السلبية، ستكتسب المعايرة المناسبة للسياسات الاقتصادية الكلية أهمية جوهرية في تحقيق استقرار النشاط وتقوية أسس التعافي. ومن البديهي أن تسفر أي خطوات غير مدروسة على مستوى السياسات وعدم اليقين المصاحب لها إلى حدوث آثار حادة تضعف المزاج والنمو وتوفير فرص العمل.
وعلى المستوى متعدد الأطراف، تتمثل الحاجات الملحة أولا في الحد من توترات التجارة والتكنولوجيا، وثانيا التعجيل بإزالة أجواء عدم اليقين المحيطة بالتغيرات في اتفاقيات التجارة التي دامت لفترة طويلة، بما فيها الاتفاقيات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وكذلك بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة. وعلى وجه التحديد، ينبغي ألا تستخدم البلدان التعريفات الجمركية لاستهداف الموازين التجارية الثنائية. والأهم من ذلك، قد تكون النزاعات التجارية من أعراض الإحباط الأعمق من الثغرات التي تشوب نظام التجارة متعددة الأطراف القائم على قواعد. وينبغي أن يتعاون صناع السياسات لمعالجة هذه الثغرات وتقوية نظام التجارة متعددة الأطراف القائم على قواعد، بوسائل منها الاستمرار في إنفاذ قواعد منظمة التجارة العالمية القائمة عن طريق نظام يعمل بكفاءة لتسوية المنازعات في ظل المنظمة، وتخطي المأزق بشأن هيئة الاستئناف التابعة لها، وتحديث قواعدها لتتضمن مجالات مثل الخدمات الرقمية والدعم ونقل التكنولوجيا، والمضي قدما في إجراء مفاوضات حول مجالات جديدة مثل التجارة الرقمية. وهناك مجالات رئيسية أخرى تدعو إلى تعزيز التعاون الدولي منها تخفيف آثار تغير المناخ والتكيف معه، والتصدي للتهرب الضريبي عبر الحدود والفساد، وتجنب الرجوع عن الإصلاحات التنظيمية المالية. وينبغي أن يضمن صناع السياسات توافر الموارد الكافية للمؤسسات متعددة الأطراف بصفة مستمرة من أجل مواجهة تعديلات الحوافظ المربكة في ظل اقتصاد عالمي مثقل بالديون.
وعلى المستوى الوطني، تتضمن أهم الأولويات المشتركة بين البلدان تعزيز الاحتواء، وتقوية الصلابة في مواجهة التحولات التي تسبب اضطراب الأسواق المالية الدولية، ومعالجة القيود التي تكبح نمو الناتج الممكن، وهو ما يعني في حالة البعض تنفيذ إصلاحات في أسواق المنتجات والعمل على دفع الإنتاجية، ويعني في حالة البعض الآخر رفع معدلات الانضمام إلى القوى العاملة، وبصورة أكثر تحديدا، على مستوى مجموعات البلدان المختلفة.
ولا تزال السياسة النقدية التيسيرية ملائمة في الاقتصادات المتقدمة، حيث تراجع نمو الطلب النهائي بوجه عام، وضعفت الضغوط التضخمية، وهبطت مقاييس التضخم المتوقع المتضمنة في التسعير السوقي خلال الأشهر الأخيرة. غير أن التيسير النقدي يمكن أن يزيد من مواطن الضعف المالي، ومن الضروري في هذه الحالة انتهاج سياسات أقوى للسلامة الاحترازية الكلية واتباع منهج الرقابة الأكثر استباقية لكبح التجاوزات في الأسواق المالية. وتتعين مواصلة إصلاح الخلل في الميزانيات العمومية لبعض البلدان من أجل تخفيف مخاطر حلقات الآثار المرتدة بين الكيانات السيادية والبنوك. وينبغي أن تحقق سياسة المالية العامة التوازن بين أهداف متعددة: تمهيد الطلب عند الحاجة، وحماية الفئات الأقل دخلا، وتعزيز إمكانات النمو من خلال الإنفاق الذي يدعم الإصلاحات الهيكلية، وضمان استمرارية الموارد العامة على المدى المتوسط. وإذا ضعف النمو دون المستوى المتوخى في السيناريو الأساسي، ينبغي زيادة تيسير السياسات الاقتصادية الكلية حسب ظروف كل بلد على حدة.
وعلى مستوى اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، فإن تراجع التضخم أخيرا يتيح للبنوك المركزية خيار تيسير السياسة النقدية، وخاصة في تلك الاقتصادات التي تحقق ناتجا أقل من المستوى الممكن بينما توقعاتها التضخمية ثابتة. وارتفع الدين بسرعة على مستوى كثير من الاقتصادات. ومن ثم، ينبغي أن تركز سياسة المالية العامة على احتواء الديون بينما تعطى الأولوية للإنفاق على البنية التحتية والنفقات الاجتماعية الضرورية وليس النفقات المتكررة والدعم الذي لا يوجه بدقة للمستحقين. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في الاقتصادات النامية منخفضة الدخل لأنه يساعدها على المضي قدما في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة. وينبغي أن تضمن سياسات السلامة الاحترازية الكلية توافر هوامش احتياطية كافية من رأس المال والسيولة للوقاية من التحولات المربكة في الحوافظ العالمية. ولا يزال بذل الجهود للحد من عدم توافق أسعار العملات وآجال الاستحقاق في الميزانيات العمومية مطلبا ضروريا في وقت يمكن أن يشهد تحولا سريعا في مزاج الأسواق المالية نحو عدم الإقدام على المخاطر، كما أنه سيضمن عدم تسبب أوجه الضعف المذكورة في عرقلة دور أسعار الصرف المرنة في توفير الهوامش الوقائية الضرورية.
