تزداد عدوانية النظام الإيراني يوما بعد آخر، حيث وصلت إلى الحد الذي أخرج وزير الخارجية البريطاني جيرمي هانت، عن الحرص التقليدي المفرط للدبلوماسية البريطانية في استخدام التعبيرات السياسة الهادئة، بغية تفادي تصعيد الأمور، إلى وصفه استيلاء الحرس الثوري الإيراني على ناقلة نفط تحمل العلم البريطاني في المياه الإقليمية لسلطنة عمان، بأن الحادث "قرصنة دولة".
تعبير لا يحمل فقط مدلولات سياسية ذات طابع قانوني، وإنما يحمل في طياته مزيدا من الوعي الدولي، بأن التراخي الذي دام لعقود مع نظام الملالي الحاكم في طهران، وصل إلى منتهاه، وأنه يجب التعامل بحسم وحزم حقيقيين مع هذا النظام.
ويعتقد عدد من السياسيين الدوليين أن الحل العسكري مع هذا النظام الذي اختطف شعبه رهينة لسنوات طويلة، وباتت عدوانيته متصاعدة ضد جيرانه الإقليميين والمنظومة الدولية، هو الحل الناجع والأمثل رغم ما قد يتضمنه من آلام لبعض الوقت، فيما يراهن آخرون على اهتراء النظام اقتصاديا من الداخل، وتآكل قدرته على تمويل عدوانيته، وتراجع إمكانياته لتمويل الميليشيات الإرهابية التي زرعها لسنوات في المحيط الإقليمي، وذوبان مساحيق التجميل التي أخفى خلالها وجهه القبيح لسنوات، كل هذا سيعجل بانهيار النظام وزواله في سنوات معدودات من وجهة نظرهم.
وبالفعل الوضع الاقتصادي الإيراني في حالة تأزم متصاعد، لم يتجل فقط في ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وإنما فيما يخاف منه النظام ويخشاه وهو حالة الاستياء العام في الشارع الإيراني، وتحديدا بين أبناء الطبقة المتوسطة والفئات الشابة في المجتمع، حيث تشهد عديدا من البلدات والمدن الإيرانية تظاهرات تطالب بتحسين مستوى المعيشة المتردي.
ولا تقف الأزمة عند هذا الحد، فمع شعور النظام بضغط الحصار الدولي عليه، وتقلص مساحة المناورة لديه، انقض على الهامش الضئيل من الحريات الفردية المتاحة للمواطنين، وباتت الحفلات العامة والتجمعات الشعبية شبه معدومة، خشية أن يتحول الحشد إلى شرارة انفجار اجتماعي لا يمكن السيطرة عليه، ومع الضغط الاقتصادي تنامت الفجوة بين الأيديولوجية الرسمية المتزمتة والمتعصبة قوميا للتحالف القائم بين رجال الدين المتشددين والآلة العسكرية المتصلبة للنظام ممثلة في الحرس الثوري من جانب، ونمط الحياة الذي يريده الشعب خاصة الجيل الشاب من الناس العاديين الذين يشاهدون التلفاز ولديهم القدرة على الوصول إلى الإنترنت رغم القيود المتزايدة، ويريدون اختيار أساليب حياتهم بطريقتهم الخاصة بعيدا عن هيمنة رجال الدين والقوى المحافظة، التي ترفض أن تمنح الشباب حق تقرير مصيره بذاته.
لكن ما الذي يمنع النظام من إدراك حقيقية المأزق الذي يعيش فيه، ويعيد تنظيم أوراقه الداخلية، ويصيغ من جديد سياسته الخارجية ليجعلها أكثر سلمية، متخليا عن برنامجه النووي والصاروخي.
يرى الخبير الاقتصادي علي جواد أن الزمن تجاوز ذلك، وأن النظام بات الآن رهين حصاره لذاته قبل أن يحاصره العالم.
ويقول لـ"الاقتصادية"، إن "نظام الملالي الحاكم في طهران، ليس أكثر من نسخة إيرانية من تنظيم داعش، وإذا كان الأخير ذا صبغة دولية، يضم بين طياته إرهابيين من جميع دول العالم، ما يجعلنا نصفه باتحاد الإرهابيين الدولي، فإن نظام الملالي يريد احتكار الإرهاب، وأن تكون قيادته إيرانية صرفة، على أن تضم أتباعا في دول الإقليم، لا ينتمون إلى إيران عرقا لكنهم إيرانيي الهوى".
ويضيف "الأيديولوجية الضيقة والعدائية للنظام لا تمكنه من إعادة تغيير أوراقه ومواقفه، ربما تمكنه من تغيير قرار سياسي أو اقتصادي هنا وهناك، لكنه لا يستطيع إحداث تغيير جذري في منهجه، ففكرة الولي الفقيه، أوجدت وضعا اقتصاديا فاسدا ومنحرفا في البلاد، تمكن مرشد إيران علي خامنئي بمقتضاها من الهيمنة على عديد من المؤسسات الاقتصادية، - القدرة المالية الإجمالية لها نحو 300 مليار دولار -، تلك الهيمنة تعيق عمليا الآليات الاقتصادية من العمل وفقا للقواعد الاقتصادية العلمية، وإنما تعمل وفقا لتوجهات سياسية تعلي مصالح مجموعات ضيقة في مقدمتها الحرس الثوري على باقي قطاعات الشعب".
وبالفعل فإن خامنئي على سبيل المثال يهيمن على مؤسسة "سيتاد" وهي منظمة عملت على مصادرة ممتلكات الإيرانيين الذين غادروا البلاد في أعقاب سيطرة نظام الملالي على الحكم عام 1979، وقد باتت تلك المؤسسة أحد الطواغيت التجارية في إيران، حيث يرجح أن في حوزتها ما يقارب 100 مليار دولار أمريكي.
وتبدو وجهة نظر الخبير الاقتصادي علي جواد، بعدم قدرة النظام الإيراني على تبديل قناعته المدمرة لذاته وشعبه وكأنها قدر لا فرار منه.
ويستشهد كثيرون بأن النظام إذا كان يريد تحسين وضعه الخارجي حقيقة، فإن عليه إعادة صياغة علاقته الداخلية مع مواطنيه، لكنه يواصل اعتصارهم عصرا، لجباية كل ما يستطيع أن يجبيه منهم من أموال.
فالضائقة المعيشية للإيرانيين لم تمنع النظام من مواصلة رفع أسعار السلع الغذائية الرئيسة، فقد ارتفع سعر البصل من أيار (مايو) العام الماضي إلى مايو هذا العام بنسبة 511 في المائة، والزيت بنسبة 93 في المائة، ومعجون الطماطم بـ228 في المائة والأرز الإيراني بـ51 في المائة والحليب بـ72 في المائة ولحوم الأغنام بـ43 في المائة والبيض بـ33 في المائة والطماطم بـ189 في المائة والسكر بـ83 في المائة.
لم تكن تلك الأرقام وليدة تقديرات خصوم النظام، إنما أرقام حكومية نشرت في الصحف الرسمية، والغريب في الأمر أن تلك السلع الغذائية هي إنتاج محلي وليس لها علاقة بالعقوبات.
ونشرت صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية موضوعا عن ارتفاع تكاليف المعيشة في إيران جاء فيه تعليق لامرأة عرفت باسم مريم فقط قالت "كل يوم عندما أذهب للتسوق، أعتقد أنني كنت أفضل حالا في اليوم السابق، استيقظ كل صباح وأنا أدرك أن هناك ارتفاعا في أسعار الدجاج أو أن سعر البصل والطماطم سيتضاعف".
وصرح عزيز أكبريان رئيس لجنة الصناعة في مجلس الشورى الإيراني، أن الاقتصاد سيتراجع هذا العام بنسبة 5 أو 6 في المائة وأن التضخم بلغ 40 في المائة، وهو ما يتناقض مع تصريحات الرئيس روحاني بأن النمو الاقتصادي سيكون إيجابيا هذا العام.
ويقول لـ"الاقتصادية"، البروفيسور وليم هارت أستاذ النظم الاقتصادية السابق في جامعة أكسفورد: "النظام الإيراني أحد اكثر النظم الاقتصادية فشلا في العالم ولا ينافسه في احتلال تلك المرتبة سوى النظام في فنزويلا، فالتضخم يقترب في إيران عمليا من 60 في المائة، ومعدل البطالة 20 في المائة، ويرتفع بين فئة الشباب إلى 30 في المائة، و65 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر، وبات المواطن الإيراني أفقر بنسبة 50 في المائة خلال عام".
ويضيف "دفع تدهور الوضع الاقتصادي بحكومة روحاني إلى فرض الرقابة ومنع البنك المركزي من نشر تقرير المالية والميزانية الذي يكشف عن الإيرادات والنفقات العامة للحكومة، وخلال الأسبوع الأول من هذا الشهر انهارت العملة الإيرانية إلى أدنى مستوى لها في سبعة أشهر".
ويتابع "أختلف في تقييمي مع عديد من الخبراء بأن هذا التدهور نتيجة العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب أخيرا، وفي تقديري أن التجربة الاقتصادية الإيرانية قد وصلت إلى منتهاها قبل سنوات، إلا أن إدارة أوباما وعن طريق رفع العقوبات وتوقيع اتفاق نووي غير عادل، منحت قبلة الحياة لنظام كان على وشك الانهيار، لكن النظام ونتيجة الآليات الداخلية لعمله والطبيعة المتطرفة له، استخدم جرعة الأكسجين التي منحها الاتفاق النووي له، لزيادة قدرته العدوانية، والتمدد في الإقليم، وتجنيد مزيد من الميليشيات، وتوسيع نطاق وصلاحيات وقدرات الحرس الثوري، وإتاحة الفرصة لقادة الحرس الثوري للاغتناء والثراء غير المشروع، ولهذا نلاحظ أن مستوى معيشة الإيرانيين لم يتغير عمليا حتى بعد رفع إدارة أوباما العقوبات".
ويشير إلى أنه قبل العقوبات الأمريكية الأخيرة فقدت العملة الإيرانية ثلثي قيمتها مقابل الدولار، وتوقع صندوق النقد الدولي أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم العقوبات لم تعمل أكثر من رفع الغطاء عن النظام، وكشف مدى فشله في تأمين الاحتياجات الأساسية لشعبه، مبينا أن انهيار النظام اقتصاديا يبدو مسألة وقت ليس أكثر.
لكن بعض الخبراء الاستراتيجيين، يعربون عن مخاوفهم من التعويل فقط على الاقتصاد، باعتباره القشة التي ستقصم ظهر النظام، وتؤدي إلى انهياره تلقائيا.
فإيران بالنسبة لهم "أرض مجهولة" يمكن توقع كل شىء فيها، فقد عانت من عقوبات في السابق وخاضت حربا ضد العراق لسنوات، والنظام كون خبرة طويلة في التحايل على شعبه وقمعه، وبمقدوره اتخاذ خطوات لتخفيف الألم الاقتصادي في الأجل القصير، دون حلول جذرية في الأجل الطويل، سواء عبر جعل سعر الصرف الرسمي يتماشى مع قوى السوق، ومعالجة نقاط الضعف في النظام المالي جزئيا، أو توسيع آليات الحماية الاجتماعية لخفض حدة الاحتقان العام، على أن يتم سحبها لاحقا في أول فرصة تسنح للنظام.
بدوره، يقول لـ"الاقتصادية" الدكتور فرهاد علي الخبير في الاقتصاد الإيراني، "النظام الإيراني لديه ألف وجه، بعض الوجوه احترقت، لكن لا يزال لديه عديد من الأوراق التي يستخدمها في مساعيه لحرف أنظار الشعب عن مدى تدهور الوضع الاقتصادي، وتراجع مكانة إيران في المجتمع الدولي".
ويضيف "الاستعراض العسكري الذي قام به الحرس الثوري الإيراني للاستيلاء على ناقلة النفط التي تحمل العلم البريطاني، عبر عملية إنزال عسكري لجنود إيرانيين من مروحية على سفينة مسالمة لا تحمل أي جنود أو معدات عسكرية، لم يكن يهدف إلى توجيه خطاب إلى الخارج بقوة إيران العسكرية، فحكام طهران وبعيدا عن الخطب الحماسية التي يلقونها على شعبهم، يعلمون جيدا أنه إذا اتخذت الولايات المتحدة قرارا جادا برحيل النظام بالقوة فسيرحل".
ويتابع "إنما الهدف من تلك العملية الاستعراضية التي تمت للاستيلاء على ناقلة النفط، كان شحذ الروح القومية والوطنية في الداخل، عبر التركيز على تمجيد قوة الحرس الثوري بدعوى دفاعه عن الكرامة الوطنية، ومن ثم دفع المواطنين إلى الابتعاد عن طرح الأسئلة المثيرة، أو الاستفسار عن أسباب تمتع قادة الحرس الثوري وأسرهم وأبنائهم بأوضاع معيشية جيدة للغاية، وامتلاكهم ثروات ضخمة في وقت يئن فيه الشعب من أوضاع حياتية تعيسة تزداد تدهورا يوميا".
ويؤكد أن الانهيار الاقتصادي قد يدفع بعض القطاعات إلى الخروج إلى الشارع، لكنهم قد يقمعون بقوة لمنع نيران الغضب من الاشتعال والتمدد، كما حدث في عديد من الاحتجاجات السابقة.
ومع انهيار التجارة مع الشركاء الرئيسين مثل أوروبا والصين، تحتاج إيران إلى الاستمرار في شراء وبيع السلع، وكسب العملة الصعبة بكميات كافية للحفاظ على الاقتصاد من الانهيار، إلا أن هذا لا يمكن أن يتم دون مزيد من الاعتماد على شبكات الحرس الثوري في مجال التهريب وغسل الأموال، وبالتالي تزايد قوة الحرس الثوري في مواجهة جميع المؤسسات الإيرانية الأخرى.
وبالطبع على قادة الحرس الحفاظ على أوضاعهم المميزة عبر تعزيز هيمنتهم على الاقتصاد الوطني، والاستفادة إلى أقصى درجة ممكنة من تلك الأوضاع، وهو ما يعني من وجهة عدد كبير من الخبراء الاستراتيجيين أن الحوار أو الضغوط الاقتصادية مع إيران لن يحمل كثيرا من النتائج، وأن حسم الصراع معها يجب أن يتم عبر آليات أخرى أكثر صرامة وجدية.

