الأربعاء, 9 سبتمبر 2026|26 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

كيف يمكن أن يصبح علم الاقتصاد تخصصا يتمتع بمزيد من الفهم العميق والبصيرة؟ هل ينبغي أن يكون أشبه بالفيزياء، بما تتمتع به من دقة وقدرة تنبؤية؟ أم هل ينبغي لخبراء الاقتصاد مضاهاة علماء الأنثروبولوجيا أو علماء التاريخ، من خلال الانغماس في التفاصيل الخاصة وغير القابلة للتمثيل الكمي؟

هناك حجة لمصلحة كلتا الحالتين. يجادل بعض النقاد بأن الاقتصاد يفوت ما هو أفضل في الفيزياء، فهو عالق في القرن 20 بأفكار قديمة رجعية مثل التحليل الهامشي والتوازن، وفوت الأفكار الرائعة مثل نظرية الشواش وتحولات الأطوار التي تعد بإلقاء نظرة ثاقبة على التعقيد الاقتصادي أو الأزمات المفاجئة.

يقول آخرون إن الاقتصاد بحاجة إلى التخلص من الرياضيات والتراجع ببطء. بحسب تعبير إيمانويل كانت "من بين أضلاع البشر الملتوية، لم يوجد شيء معتدل قط"، لذلك ينبغي لخبراء الاقتصاد أن يكونوا أقل شغفا بوضع المسطرة لقياس كل شيء.

حقيقة أن كلا الرأيين معقول إلى حد ما، تشير إلى أن هذا تحد أكثر صعوبة مما قد يبدو من الهامش. الآن، ورقة بحث جديدة تتناول السؤال من قلب علم الاقتصاد الأكاديمي، جورج أكيرلوف الحائز جائزة نوبل، يكتب مقالا في "مجلة الأدب الاقتصادي".

يجادل البروفيسور أكيرلوف الذي يعمل الآن في جامعة جورج تاون، بأن الانضباط الأكاديمي لعلم الاقتصاد يكافئ الأبحاث الدقيقة وليس الأبحاث غير الدقيقة التي تنشر في المجلات البارزة. نحن نعرف "الدقة" عندما نراها، الأرقام أكثر دقة من الكلمات، والكميات أكثر دقة من الصفات. السبب أكثر دقة من الارتباط. والفيزياء دقيقة وعلم الاجتماع غير دقيق.

هناك كثير يقال لمصلحة العلوم الدقيقة. الجانب السلبي هو أنه لا يمكن الإجابة عن بعض الأسئلة أو ربما حتى طرحها بعبارات دقيقة ورياضية وسببية. الأسئلة لا تزال مهمة، وإذا أصر الاقتصاد على الأساليب الدقيقة، فسوف يتجاهلها ويتخطاها.

حائز آخر جائزة نوبل، هو الراحل جاري بيكر، يتذكر أيام كان في الجامعة فيقول، "بدأت أفقد الاهتمام بالاقتصاد (...) لأنه بدا وكأنه لا يتعامل مع المشكلات الاجتماعية المهمة. فكرت في الانتقال إلى علم الاجتماع، لكنني وجدت ذلك الموضوع صعبا فوق الحد".

الجميل في هذا التصريح هو أن بيكر حصل جائزته من خلال تطبيق أدوات الاقتصاد الأكثر دقة في المجالات التي كان يبدو أنها تنتمي إلى تخصصات غير دقيقة أكثر، الإدمان والتمييز والزواج والتعليم. إلى أي مدى نجح في ذلك لا تزال المسألة قيد النقاش. أنا شخصيا أعتقد أنه أسهم كثيرا.

لكن كثيرين من علم الاجتماع ما يزالون بعيدين عن متناول أدوات خبراء الاقتصاد، هو علم مهم لكنه غير دقيق إلى حد كبير أو على حد تعبير بيكر، صعب فوق الحد. الأكثر غرابة بالنسبة لمهنة الاقتصاد أن بعض المسائل الاقتصادية الرئيسة تبدو أيضا أكثر احتمالا لأن تخضع للأساليب غير الدقيقة منها إلى الدقيقة، ما هي العوائق أمام الارتقاء الاجتماعي؟ من أين يأتي الابتكار؟ هل يمكننا تقوية المؤسسات المهمة للرخاء؟

وراء كل مشكلة معينة هناك أيضا التحدي المتمثل في الجمع بين الأفكار من التخصصات الفرعية المتخصصة للغاية. راغورام راجان، عندما كان كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي، كان أكثر المحللين اقترابا من التنبؤ بالأزمة المالية عام 2008. ولاحظ في وقت لاحق أن خبراء الاقتصاد كتبوا بنوع من العمق عن كل القضايا المهمة، لكنهم كانوا يفتقرون إلى شخص قادر على ضم كل تلك الأجزاء في فكرة واحدة.

هل هذا أيضا مشكلة الدقة وعدم الدقة؟ البروفيسور أكيرلوف يعتقد ذلك. فهو يجادل بأن التحيز تجاه التحليل الدقيق ينتج أيضا تحيزا تجاه التفكير المنعزل المتخصص، وأن تكون شخصا تعميميا مهارة غير دقيقة.

لست متأكدا أن هذا صحيح. بعض أدوات الرياضيات قابلة للنقل بشكل كبير وهي دقيقة على نحو لا جدال فيه. لكن من الصحيح التأكيد أن نوع التوليف الذي من شأنه معرفة وتحديد الأزمة الوشيكة سيكون استطراديا فوق الحد على نحو لا يمكن معه أن ينشر في مجلة اقتصادية بارزة.

لذلك أنا لست مقتنعا تماما بأن الاقتصاد، في المتوسط، هو أكثر دقة مما ينبغي له. لكنني أتفق تماما مع التوصية التي تقول إن الاقتصاد يجب أن يكون أكثر تقبلا للمناهج المختلفة، سواء كانت أحدث النظريات الفيزيائية المغرقة في الدقة، أو استكشافات الأنثروبولوجيا الأقل دقة، أو حتى دراسة الحالات في كليات الإدارة. لاحظ أن علم الاقتصاد يشتمل على كثير من الأشياء المختلفة، فلماذا ينبغي أن يخضع فقط إلى مجموعة معينة من الأدوات التحليلية؟

من المؤكد أن علم الاقتصاد استفاد من أفكار الذين هم خارج التخصص، مثل عالم النفس دانييل كانيمان، والراحلة إلينور أوستروم، أستاذة العلوم السياسية التي تم إحباط طموحها لدراسة الاقتصاد لأنها، بوصفها فتاة في الأربعينيات من القرن الماضي، تم إبعادها عن الرياضيات. كلاهما حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد.

يمكن أن تتدفق الأفكار العميقة في الاتجاه الآخر، أيضا. تأثرت نظرية تشارلز داروين للتطور بمقالة خبير الاقتصاد روبرت مالثوس عن مبدأ السكان. عند العمل على النظرية الحركية للغازات، استمد عالم الفيزياء جيمس كلارك ماكسويل الإلهام من علماء الاجتماع وعادتهم في التفكير في تقريبات إحصائية حول تجمعات السكان الكبيرة.

أن نتقدم بتوصية من هذا القبيل أمرا أسهل من قبولها. كلما ازداد ابتعاد المجلات الاقتصادية الرائدة عن مجال خبرتها الأساس، ازدادت الصعوبة أمامها في القدرة على تمييز المقالات الجيدة من الرديئة. لكن على الهامش، مثل هذه التحركات تقدم الوعد بخير كثير.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية