الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

الإنترنت هي السكة الحديدية في عصرنا هذا - جزء أساسي من البنية التحتية العامة التي يعتمد عليها الآن كثير من النشاط التجاري والاتصالات في العالم. إلا أن الشركات التي تهيمن عليها هي كيانات خاصة تسعى إلى الربح. ومثل شركات السكك الحديدية القديمة، فإنها تمثل مشكلة احتكارية.

إنها مسألة تستحق الدراسة المتأنية نظرا للتحذيرات الصادرة في الأيام الأخيرة بشأن القوة التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا الكبرى، التي أعربت عنها جهات من جميع أنحاء العالم، من ضمنها رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستين لاجارد، وماكان ديلراهيم رئيس مكافحة الاحتكار في وزارة العدل الأمريكية، الذي أشار إلى انتهاكات المنافسة المبكرة في قطاع السكك الحديدية في خطاب ألقاه أخيرا بشان التحديات التي يطرحها "حراس البوابة" الرقمية. وزارة العدل ولجنة التجارة الفيدرالية اقتسمتا في الآونة الأخيرة مسؤولية التحقيق في أمر شركات التكنولوجيا بما فيها "جوجل" و"أمازون" و"فيسبوك" و"أبل".

لكنني أعتقد أن الإجراء الحقيقي يكمن في اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب الأمريكي، التي أعلنت عن تحقيق حول ما إذا كانت قواعد مكافحة الاحتكار بحاجة إلى تطوير لمواجهة تحدي كبح جماح شركات التكنولوجيا الكبرى. على مدار الـ18 شهرا التالية أو نحو ذلك، سيتم عقد جلسات استماع، ووفقا لما يقوله المطلعون، ربما تجري مقابلات ويتم استجواب مجموعة متنوعة من كبار قادة التكنولوجيا البارزين، إضافة إلى منافسين يقولون إن هذه الشركات سحقتهم.

أثناء النظر في هذه القضايا، سيكون من الجيد أن تفتح تلك الجهات الكتاب القصير الذي تسهل قراءته على نحو مثير للدهشة، المنشور في عام 1878 بعنوان "السكك الحديدية: أصولها ومشاكلها"، بقلم تشارلز فرانسيس آدمز، وهو مسؤول تنفيذي ومنظم سابق في السكك الحديدية. يوضح الكتاب ظهور السكك الحديدية في كل من أوروبا والولايات المتحدة، والنضال من أجل إجبارها على خدمة العامة على نطاق واسع، بدلا من حفنة من الصناعيين في القرن الـ19.

في فصل بعنوان "مشكلة السكك الحديدية" يكتب آدمز "مع تطور الأحداث، أصبح من الواضح أن قوانين التجارة المعترف بها تعمل لكن ليس على نحو مثالي في أفضل الأحوال، في تنظيم استخدام هذه الطرق الرئيسة الحديثة من قبل أولئك الذين يمتلكونها ويحتكرونها في آن معا".

يمكنك إعادة تسمية الفصل نفسه "مشكلة الإنترنت" والحصول على ملخص جيد لما نحن عليه اليوم. "أمازون" تستحوذ على أكثر من ثلث إجمالي الإنفاق على البيع بالتجزئة عبر الإنترنت في الولايات المتحدة. و"جوجل" تمثل 88 في المائة من سوق محركات البحث الأمريكية، و95 في المائة من جميع عمليات البحث على الأجهزة المحمولة. ثلثان من الأمريكيين لهم حسابات على "فيسبوك" التي أصبحت تمتلك، بعد شرائها "إنستجرام" و"واتساب"، أربعة من أفضل ثمانية تطبيقات في وسائل التواصل الاجتماعي.

كل هذه الشركات، وكذلك شركة أبل، أول شركة في العالم بقيمة تريليون دولار، تعرضت لانتقادات شديدة لاستخدامها أنظمتها البيئية الهائلة لمنح منتجاتها وخدماتها ميزة الأفضلية، وإبقاء المنافسين خارج شبكاتها.

المشكلة التي تواجه المنظمين هي أن السوابق القضائية في الولايات المتحدة بعد سبعينيات القرن الـ20 تجعل من الصعب الفوز بدعوى مكافحة الاحتكار ما لم تتمكن من إظهار أن أسعار المستهلكين ارتفعت بسبب قوة احتكارية - وهو أمر يصعب إثباته عند التعامل مع المنصات التي تجري معاملات مقايضة غامضة، "بياناتك مقابل خدماتها المجانية". نتيجة لذلك، يستمر حراس البوابة الرقمية في النمو.

لكن المد ربما يكون آخذا في التحول الآن. ورقة بحثية جديدة من إعداد لينا خان، خبيرة في قانون المنافسة تعمل في اللجنة الفرعية التابعة لمجلس النواب والمعنية بمكافحة الاحتكار، والقانون التجاري والإداري، تقدم بعض المقارنات الثاقبة بين مشكلة السكك الحديدية ومشكلة حراس البوابة الرقمية. وتخلص إلى أننا نحتاج إلى فصل المنصات عن النشاط التجاري من أجل إيجاد مشهد رقمي أكثر إنصافا وتنافسية.

هذه الفكرة يتم ترويجها أيضا على يد آخرين، من ضمنهم إليزابيث وارن عضوة مجلس الشيوخ من ولاية ماساتشوستس ومرشحة الرئاسة الديمقراطية. فهي تقارن أيضا شركات التكنولوجيا الكبرى بخطوط السكك الحديدية وتعتقد أن الشركات التي لديها عائدات عالمية تتجاوز 25 مليار دولار لا ينبغي السماح لها بامتلاك منصة "ذات منفعة عامة" وأن تكون كذلك عضوا في تلك المنصة.

هذا يستدعي الانفصال المفروض على السكك الحديدية لمنعها من استحداث سوق تجارية والسيطرة عليها. في عام 1900، مثلا، كانت ست شركات أمريكية للسكك الحديدية تمتلك أو تسيطر على 90 في المائة من سوق الفحم الحجري، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار للمشترين وتوليد أرباح هائلة للسكك الحديدية - الأمر الذي بالطبع جعل من الصعب على شركات الفحم المستقلة نقل المنتج على خطوطها.

المشكلة تم حلها في نهاية المطاف من خلال "بند السلع" الذي يفصل بين المنصات والتجارة. هذا النوع من الفصل شق طريقه في النهاية إلى مجالات أخرى مثل الأعمال المصرفية، إذ منع الشركات المصرفية القابضة من التنافس مع عملائها في مختلف الصناعات، وهو مبدأ كان في قلب مزاعم اكتناز شركة جولدمان ساكس للألمنيوم، التي ظهرت في عام 2013.

يبدو لي واضحا أنه يجب تطبيق هذه المعايير نفسها على العمالقة الرقميين اليوم، مع ذلك كن متأكدا من أنها ستستخدم كل عضلاتها للضغط في سبيل منع ذلك في الأشهر المقبلة.

مثلما أشار آدمز في القرن الـ19، "عملية الدمج" التي كونت مشكلة السكك الحديدية تمادت إلى حد بعيد حيث أوشك أن يكون هناك زمن "تكون فيه السكك الحديدية هي من يدير الدولة، إن لم تدر الدولة السكك الحديدية".

الصراع لتنظيم شركات التكنولوجيا الكبرى سيخبرنا كثيرا حول ما إذا كان جبابرة الصناعة في عصرنا يسيطرون بالفعل على النظام السياسي اليوم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية