تكشف جميع المؤشرات الاقتصادية الرئيسة بشكل واضح، أن قطاع الخدمات أصبح ركيزة أساسية من ركائز التنمية الاقتصادية.
وتعد الأرقام العنصر الحاسم والأكثر فاعلية للبرهنة على أن قطاع الخدمات، بات يقود الاقتصاد العالمي منذ سنوات، حيث إن الدور المهم والحيوي له يسهم بقوة في دفع عجلة التنمية المستدامة، وتنويع الإنتاج والتصدير والابتكار والتمويل، وهذا الدور الكبير لم يعد محل خلاف بين الاقتصاديين كما كان عليه الوضع قبل سنوات.
على الصعيد العالمي شكلت الخدمات نحو 50 في المائة من الاستثمارات الدولية في 2018، وقرابة 59 في المائة من الوظائف، كما شكلت 68 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الدولي عام 2016.
وكانت الخدمات مسؤولة عن 56 في المائة من الإنتاج وما يقارب 54 في المائة من العمالة في البلدان النامية.
ورغم أن هذه المساهمات الرئيسة تؤكد الدور الرئيس له في مجال التنمية، فإن أهميته تتجاوز وزنه المباشر في النشاط الاقتصادي.
من جانبه، يقول لـ"الاقتصادية" الدكتور ال. دي مارك أستاذ مبادئ الاقتصاد في جامعة شيفيلد: "حصر أهمية قطاع الخدمات في المؤشرات الاقتصادية المباشرة، يقزم الدور الفعلي للقطاع ومساهماته الكلية. فالخدمات توفر عديدا من المدخلات الوسيطة، التي يتم تجميعها في قطاع السلع، ولها دور محوري في تنسيق العمليات الإنتاجية، وجميعها أنشطة مركزية داخل عملية التصنيع ذاتها، وإذا أخذنا تلك المؤشرات في الحسبان، فسنجد أن الخدمات مسؤولة عن ثلثي إجمالي نمو الإنتاجية في البلدان النامية، ورافد رئيس للتنوع الاقتصادي".
ويضيف: "التجارة في الخدمات تنمو بمعدلات أسرع وأكبر من التجارة في السلع، كما أنها أكثر مرونة، وتنمو بشكل نشط في البلدان النامية. وعند دراسة التأثيرات غير المباشرة، لها، بما في ذلك الأنشطة الخدمية داخل شركات التصنيع، سنجد أن مساهمتها من إجمالي الصادرات تقترب من الثلثين، كما يمكن للتجارة الدولية في الخدمات سواء عن طريق السماح بالوصول إلى الخدمات الأجنبية أو المدخلات والعوامل التي تدعم الخدمات المحلية، أن تعزز جميعها مساهمة هذا القطاع الاستراتيجي في الاقتصاد الكلي".
يراهن خبراء في الاقتصاد الدولي على قدرة قطاع الخدمات على حل مشكلة البطالة عالميا، عبر زيادة معدلات التوظيف في الاقتصاد ككل وفي هذا القطاع على وجه الخصوص. القطاع أكبر جهة توظيف في جميع البلدان الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على سبيل المثال.
ويعمل أكثر من 70 في المائة من القوى العاملة في البلدان ذات الدخل المرتفع في هذا القطاع، وفي بلد مثل اليونان تجاوزت النسبة 80 في المائة.
وتشير الإحصاءات الأمريكية لعام 2017 إلى أن القيمة المضافة بلغت في الصناعات المنتجة للخدمات 78.9 في المائة من إجمالي القيمة المضافة البالغة 13.1 تريليون دولار أمريكي، كما بلغت ما يعادل 86.3 في المائة من إجمالي العمالة الخاصة، التي تمثل 124 مليون موظف.
بدوره، يؤكد الدكتور رومكي ماغير أستاذ التجارة الدولية في جامعة أكسفورد، أن صعود قطاع الخدمات في الهيكل الاقتصادي الدولي، أسهم في تغير هيكل التجارة العالمية.
ويضيف لـ"الاقتصادية"، "تشكل الخدمات اليوم نسبة متزايدة من السلال التجارية الدولية، إذا نظرنا إليها من منظور قيمة الصادرات مقيمة بالدولار، وارتفعت حصة صادرات الخدمات من إجمالي الصادرات الدولية، والفائض في تجارة الخدمات هي السبب في أن بعض البلدان مثل أيسلندا وليتوانيا ونيوزيلندا لديها فائض في الحساب الجاري، وفي بلدان أخرى مثل الولايات المتحدة يساعد الفائض التجاري في الخدمات في تعويض العجز التجاري في السلع جزئيا".
بالطبع لا تتمتع جميع البلدان بفائض تجاري في الخدمات. فسنغافورة وألمانيا مثالان على البلدان التي لديها تجارة سلبية في ميزان الخدمات، وذلك على الرغم من أن ميزانها في السلع إيجابي.
لكن التحول الجاري في هيكل التجارة العالمية لمصلحة قطاع الخدمات قد يصل إلى أقصى حد في البلدان مرتفعة الدخل، كما أنه مستمر بين الاقتصادات الناشئة أيضا.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن عولمة الخدمات أكثر أهمية بالنسبة للبلدان النامية من عولمة قطاع السلع، حيث تنمو صادرات الخدمات بوتيرة أسرع بكثير من البلدان المتقدمة، وقد زادت حصة البلدان النامية في صادرات الخدمات العالمية من 12 في المائة في عام 1980 إلى 21 في المائة عام 2016.
ويعد كثير من الخبراء الصين نموذجا على الأهمية المتزايدة لقطاع الخدمات. فالصين التي عرفت لسنوات بأنها مصنع العالم، التي تحولت إلى قوة تصنيع عملاقة خلال الفترة من 2005 إلى 2015، تبني استراتيجيتها الحالية على التحول من قطاع التصنيع إلى قطاع الخدمات، إذ بلغت مساهمة قطاع الخدمات 52.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للصين العام الماضي.
ولكن ماذا عن التركيبة الداخلية لقطاع الخدمات ذاته؟ وهل تحمل التغيرات الداخلية التي يشهدها القطاع أي انعكاسات مستقبلية على الاقتصاد العالمي؟
من جانبه، يقول لـ"الاقتصادية"، روني كريس الخبير الاقتصادي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، "تبرز التغيرات في التركيبة الداخلية لقطاع الخدمات، عند النظر إلى تغير تركيبة التجارة داخل القطاع منذ ثمانينيات القرن الماضي، إذ انخفضت حصة السفر والنقل في صادرات الخدمات خلال العقود الثلاثة الماضية عبر البلدان في جميع فئات الدخل، بينما تقوم البلدان ذات الدخل المرتفع بتصدير مزيد من خدمات التأمين والخدمات المالية، بينما ركزت البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل بدرجة أكبر على تصدي الخدمات المتعلقة بالاتصالات وخدمات الكومبيوتر".
ويضيف: "لكن يلاحظ أيضا أن هيمنة الولايات المتحدة على عديد من فئات صادرات الخدمات في تراجع، فمثلا انخفضت حصة الولايات المتحدة في خدمات تكنولوجيا المعلومات من 45 في المائة عام 1990 إلى 8 في المائة عام 2014، والولايات المتحدة تأتي بعد منطقة اليورو والهند وإيرلندا في تلك الفئة".
ويعتقد الخبراء بأن الاتجار في الخدمات سواء داخل حدود الدولة الواحدة أو بين الدول سيتجه يوما بعد آخر ليكون رقميا، ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه في الزيادة مع ارتباط مزيد من الأشخاص بالإنترنت والتجارة الرقمية مع بقية أنحاء العالم، خاصة مع تزايد أهمية قطاع الخدمات كمدخلات لقطاع السلع ذاته.
ولا يعني هذا التقليل من أهمية التصنيع في بناء هيكل اقتصادي صحي، ولكن متطلبات التنمية المتوازنة والمتناسقة تتطلب الاعتراف بالدور الأساسي للخدمات، كما أن قطاع الخدمات الصحي والفعال لا يقل أهمية في البناء الاقتصادي عن قطاع الصناعات التحويلية.

