أخبار اقتصادية- عالمية

«الاقتصاد الأزرق» .. نهج تنموي جديد يكتنز 24 تريليون دولار أصولا بحرية

رغم حداثة مصطلح "الاقتصاد الأزرق"، إلا أنه بات يحظى باهتمام كبير، تجاوز الحدود الأكاديمية والبحثية، إلى دوائر صنع القرار الاقتصادي والسياسي في عديد من دول العالم، خاصة أن الأصول البحرية في العالم التي تحتوي على كنوز تقدر بنحو 24 تريليون دولار.
ومع بلوغ قيمة الاقتصاد الأزرق نحو 1.5 تريليون دولار سنويا، فإن تعريفاته الأكاديمية للمصطلح تتمثل في الاستخدام المستدام لموارد البحار والمحيطات من أجل النمو الاقتصادي، ويرمي إلى صياغة سبل حسن إدارة تلك الموارد خاصة المائية منها، والعمل على حماية البحار والمحيطات بشكل مستدام.
وتنبع أهمية الاهتمام المتصاعد بالاقتصاد الأزرق إلى تقديمه حلا ولو جزئيا لقضية التغيير المناخي، خاصة مع ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات التي تمثل تهديدا لعديد من الجزر في العالم، ومن أبرزها جزر المالديف.
ويعود الفضل إلى الاقتصادي البلجيكي غونتر باولي في صياغة هذا المصطلح، وذلك في أعقاب مؤتمر "ريو 20+" عام 2012.
وعقدت مجموعة من المؤتمرات الدولية منذ ذلك الحين لبحث الجوانب المختلفة للاقتصاد الأزرق، آخرها مؤتمر عقد في العاصمة الكينية نيروبي تحت عنوان "استدامة الاقتصاد الأزرق" وذلك في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وشارك فيه 184 دولة.
كما أن الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وخلال المرحلة الأولى من جولته في منطقة الكاريبي، أشار إلى البعد الحيوي للاقتصاد الأزرق.
من جهته، يشير البروفيسور أندروا كريس من البنك الدولي، إلى أن الاقتصاد الأزرق وعلى الرغم من حداثته كمفهوم، إلا أن القناعة السائدة في المؤسسات الدولية الكبرى، تكشف عن أنه سيكون جزءا محوريا من جهود التنمية الدولية المقبلة.
ويقول لـ"الاقتصادية"، إن "تجاوز مفهوم الاقتصاد الأزرق النظر إلى اقتصاد المحيطات كآلية للنمو الاقتصادي فقط. ففي نماذج العمل التقليدية سعت الدول الصناعية تاريخيا لتنمية اقتصادات المحيطات من خلال استغلال الموارد البحرية، عبر الشحن والصيد التجاري والتنقيب عن واستخراج النفط والغاز والمعادن، دون النظر إلى تأثيرات أنشطتها على صحة أو إنتاجية تلك الموارد نفسها في المستقبل".
ويضيف: "الدول الجزرية الصغيرة تمتلك نسبة إلى مساحة أراضيها موارد هائلة من المحيطات، ما يتيح فرصة كبيرة لتعزيز نموها الاقتصادي ومعالجة البطالة والأمن الغذائي والفقر الذي تعاني منه. ولذلك تلك الدول هي الخاسر الأكبر من تدهور الموارد البحرية".
ويقدر البروفيسور كريس قيمة الاقتصاد الأزرق بنحو 1.5 تريليون دولار سنويا، وأن 80 في المائة من حجم التجارة العالمية يمر عبر البحار والمحيطات.
كما يقدر أن جزءا واحدا من الاقتصاد الأزرق وهو الخاص بصيد الأسماك يوجد نحو 350 مليون وظيفة عبر العالم. وبحلول عام 2025 يقدر البروفيسور كريس أن 34 في المائة من إنتاج النفط الخام سيأتي من الحقول البحرية، كما أن مزارع الأسماك تعد من أسرع القطاعات نموا وباتت توفر قرابة 50 في المائة للاستهلاك البشري.
لا شك أن مفهوم الاقتصاد الأزرق يرمي إلى تحسين رفاهية الإنسان، وتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية، مع خفض المخاطر البيئية والتغلب على مشكلة الندرة.
ويعتقد بعض الباحثين أن هذا النمط الاقتصادي سيوفر نموذجا شاملا، يمكن أن تبدأ فيه الدول خاصة الساحلية التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى القدرة على إدارة مواردها الغنية في البحار والمحيطات، في توسيع نطاق الاستفادة من تلك الموارد لتحقيق مصالحها الخاصة ومصالح المجتمع الدولي ككل، إذ إن تعظيم الإمكانات الكامنة في الاقتصاد الأزرق، تتطلب إشراك جميع البلدان بفاعلية لتحقيق الفائدة القصوى منه.
لكن الباحثة الاقتصادية باتريشيا دنبلر، ترى أنه سيكون من الخطر في المرحلة الراهنة، حيث تصفها بالمرحلة الاستكشافية في مسار طويل لتطوير الاقتصاد الأزرق، من حصر المفهوم في جانب "الاستغلال السوقي".
وتؤكد لـ"الاقتصادية"، أنه لا يجب أن يتعلق الاقتصاد الأزرق بفرص السوق فحسب، وإنما يجب أن يعمل على تطوير موارد غير زرقاء أيضا، مثل الطرق التقليدية للحياة وعزل الكربون والمرونة الساحلية لمساعدة الدول الضعيفة في التخفيف من الآثار المدمرة لتغيير المناخ.
ولذلك تعتقد أنه من الواجب تطوير نهج متكامل لبناء الاقتصاد الأزرق، حيث يتطلب تغير في المفاهيم بحسبان أن البحار والمحيطات ليست موارد بلا حدود.
وهو ما تصفه بـ"العمى البحري" ما يعني النظر بمحدودية شديدة إلى أهمية توافر بحار ومحيطات آمنة تساعد في التنمية.
مع هذا فإن المفهوم وما يحمله في طياته من آفاق اقتصادية واعدة، يثير أيضا قلقا مشروعا لدى بعض المنظمات الدولية والاقتصاديين ومن بينهم الدكتور تشارلز ماتيس رئيس قسم الاقتصاد في جامعة نيوكاسيل.
ويقول لـ"الاقتصادية"، إنه "رغم ما يطرحه الاقتصاد الأزرق من نهج تنموي جديد، فيجب أن نأخذ في الحسبان أيضا عددا من الملاحظات، منها الأصول البحرية في العالم التي تقدر بنحو 24 تريليون دولار، وهذا يفتح شهية الاستثمار واسع النطاق. لكنه يوجد مخاطر من إمكانية قيام الشركات الدولية بوضع خطط سريعة لتوسيع نطاق استثمارها في الاقتصاد الأزرق، دون أن تأخذ في الحسبان بشكل واضح المصالح طويلة الأمد للدول الشاطئية أو للجزر الصغيرة".
ويضيف: "الجانب الآخر من المخاوف يرتبط بدرجة أو أخرى بالعامل الأول، فنحن لا نزال في مرحلة تحديد المفاهيم لهذا النمط التنموي، لكن الطرق والأساليب والميكنزمات التي سيتم من خلالها إدماج الاقتصاد الأزرق في آليات التنمية غير واضحة المعالم حتى الآن، ولا يوجد مؤشرات ملموسة بشأن رغبة البلدان المتقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وحتى روسيا والصين في إنجاز التنمية عبر الاقتصاد الأزرق بشكل جماعي، وما تم الاتفاق عليه لم يتم اختبار جدية أعضاء المجتمع الدولي على الالتزام به عندما يدخل حيز التنفيذ".
لكن أحد أبرز المخاوف التي تنتاب البعض بشأن الاقتصاد الأزرق، تتمحور حول طبيعة الفائدة التي ستعود على البلدان غير الساحلية مثل بلدان وسط آسيا أو بعض البلدان الإفريقية مثل تشاد من هذا النمط الاقتصادي وكيفية إدماجها فيه.
يرى الخبراء أنه يجب الإقرار بأن تلك البلدان ربما لا يعود الاقتصاد الأزرق بفائدة تنموية مباشرة عليها في المراحل الأولى على الأقل، وإنما على الأمد الطويل قد تستفيد من الموجات التنموية التالية، في حال تم تثبيت المفهوم وتطبيقاته في الاقتصاد العالمي، خاصة إذا نجح الاقتصاد العالمي في الحفاظ على قوى الدفع الراهنة والاهتمام الكوني بالاقتصاد الأزرق.
لكن عددا من الخبراء يؤكدون أن الزخم العالمي بشأن الاقتصاد الأزرق، سيتم الحفاظ عليه من قبل عديد من "مناطق العالم" نتيجة تداخل المصالح بين الدول المتقدمة في ذلك الإقليم والدول الناشئة أو النامية فيه.
بدوره، يعتقد هنري ستيد أستاذ التنمية في جامعة كامبريدج، بأن أحد مميزات الاقتصاد الأزرق تتمثل في التداخل التنموي للمناطق التي يغطيها، ويضرب مثلا بذلك منطقة البحر المتوسط.
ويؤكد لـ"الاقتصادية"، أن القيمة الإجمالية للناتج المحلي الإجمالي لبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط تبلغ نحو ستة تريليونات دولار، خاصة أن المنطقة تضم مجموعة من الاقتصادات المتقدمة مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا واقتصادات ناشئة وأخرى نامية.
ويضيف: "في حوض المتوسط 450 ميناء ونحو 40 في المائة من التجارة العالمية سواء بين بلدانه أو تمر عبره في طريقها إلى بلدان خارجية، وهو ثاني محطة سياحية في العالم، من هنا الاقتصاد الأزرق شديد الأهمية لبلدانه ويدفعها إلى التعاون، سواء لإيجاد فرص عمل تقدر بنحو ثلاثة ملايين وظيفة بحلول عام 2020، كما أن جميع بلدان الحوض تعاني من ظاهرة تآكل سواحلها".
ويشير إلى أن الجوانب الاقتصادية بشقيها الإيجابي كإيجاد فرص عمل وزيادة الناتج المحلي الإجمالي، أو السلبية مثل تآكل السواحل والحاجة إلى تعاون لوقف هذا التدهور، يتطلب تعزيز مفهوم مشترك للاقتصاد الأزرق بين بلدان حوض المتوسط، وهو ما يحول دون تحقيقه في كثير من الأحيان سعي بعض البلدان للتدخل في شؤون البلدان الأخرى، وربما يمكن التغلب على هذا الوضع من خلال تعزيز الحوار الإقليمي حول القضايا المشتركة التي تحقق مصالح الجميع.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية